فهرس الكتاب
قطرة الماء وقطعة الزجاج رغم أنها تافهة وقاتمة في ذاتها، إذا ما توجهت بقلبها الصافي إلى الشمس فإنها تتحول إلى نوع من عرض لتلك الشمس، فتلقى الرائي بوجه مضيء، والموجودات -كذلك- من حيث أداؤها مهمة -مرايا عاكسة لتجليات الأسماء الحسنى لذي الجلال والجمال والكمال، فإنها تسمو وتعلو إلى مرتبة من الظهور والجلاء والتنور هي في غاية العلو والسمو، إذ ترتفع تلك القطرة وتلك القطعة من حضيض الخمود والظلمة إلى ذروة الظهور والتنور (1) .
أما الإنسان فعندما يقدم"إلى الدنيا يقدمها وهو محتاج إلى تعلم كل شئ وإدراكه، إذ هو جاهل بقوانين الحياة كافة جهلًا مطبقًا، حتى إنه قد لا يستوعب شرائط حياته خلال عشرين سنة، بل قد يبقى محتاجا إلى التعلم مدى عمره. فضلًا عن أنه يبعث إلى الحياة وهو في غاية الضعف والعجز، ولا يمكنه أن يحقق لنفسه منافع حياته، ولا دفع الضرر عنه إلا بالانخراط في الحياة الاجتماعية البشرية" (2) .
واستنادًا على هذا خلص النورسي إلى أن"وظيفة الإنسان الفطرية إنما هي التكمل، أي الترقي عن طريق كسب العلم والمعرفة. والترقي عن طريق العبودية بالدعاء والتضرع والتوسل والرجاء بلسان الفقر والعجز إلى قاضي الحاجات ليقضي له حاجاته التي لا تصل يده إلى واحدة من الألف منها."
وهذا يعني أن وظيفته الأساس هي التحليق والارتفاع بجناحي العجز والفقر إلى مقام العبودية السامي" (3) ."
بيد أن عبودية الإنسان -كما قلنا- تختلف عن عبودية سائر المخلوقات في أن نسبتها لله -تعالى- اختيارية، ولذلك سميت تكليفًا، أي إلزام ما فيه كلفة ومشقة، أو إلزام بما يشق عليه. والتكليف بطبيعته الحركية يحدث تأثيرًا في الإنسان يؤدي به إلى الانقباض النفسي لكراهة المشقة، فلا يستقبل المكلَّف أوامر الله بشوق ولذة وانشراح صدر.
(1) - المصدر السابق ص 188-189.
(2) - الكلمات - النورسي ص 354-355.
(3) - المصدر السابق ص 355.