الصفحة 595 من 3036

لأجل هذا لم يكن مقصود العبادة أن يأتمر المكلَّف بأوامر الله وينتهي عن نواهيه فحسب، بل المقصود بها الكيفية التي يفعل بها المأمور وينتهي عن المحظور، فهي -إذن- مشروطة بأن تتم بكيفية خاصة ترتفع بها عن كونها أداء حركيًا بالجوارح، إلى منزلة عالية في الأداء، بحيث يصدر الفعل المراد مصحوبا بمعان فيها التعبير الحقيقي عن عشق المُكلَّف للفعل، ولذته في إتيانه.

والنورسي قد نبه إلى أن الخضوع لله لا بد أن يكون مبنيًا على محبة المؤمن للأمر التكليفي، وهو أمر طبيعي عنده، لأن الإنسان قد جبل على هذه المحبة، فهي ليست بالأمر المكتسب، خاصة وأن الفطرة الإنسانية تُكِنُّ حبًا للجمال وودًا للكمال، وتتزايد تلك المحبة بحسب درجات الجمال والكمال، حتى تصل إلى أقصى درجات العشق ومنتهاه، فما دامت الفطرة البشرية تملك استعدادًا لمحبة الله، فلا بد أن الله تعالى يطلب محبة لا حد لها من الإنسان الذي هو أجمع ذوي الشعور صفة، وأكثرهم حاجة، وأعظمهم تنكرًا. وأشدهم شوقًا إليه (1) .

ومن دون هذه المحبة لا يستطيع الإنسان أن يعبد الله، كما لا يستطيع الاحتفاظ بإيمانه خالصًا. وذلك لأن حب الله ينحصر في طاعة أوامره واجتناب نواهيه. فمن أحب الله ولم يكن عاملًا بمرضاته لم يكن عابدًا له، ومن خضع له وأطاعه بلا محبة لم يكن عابدًا له.

ويقابل الله تعالى محبة عبده المؤمن بمحبة من عنده. يقول تعالى: ( قُلْ إِن كُنُتمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاْتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ) (2) ومعنى الآية كما يشرحه النورسي:

"إن كنتم تؤمنون بالله فإنكم تحبونه، فما دمتم تحبونه فستعملون وفق ما يحبه، وما ذاك إلا تشبهكم بمن يحبه، وتشبهكم بمحبوبه ليس إلا في اتباعه، فمتى ما اتبعتموه يحبكم الله، ومن المعلوم أنكم تحبون الله كي يحبكم الله" (3) .

(1) - اللمعات - النورسي ص 91.

(2) - آل عمران 31.

(3) - اللمعات - النورسي ص 90-91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت