فهرس الكتاب
ومن هنا عُدَّ الصبرُ والشكر ذروة الإيمان وأشرف ما فيه، لأن الابتلاء من الله لا لنائبه أو مكلَّفه، وإنما لمحبوبه الذي ارتبط معه بمحبة خالصة، قد يخالطها ما يكدر نقاءها وصفاءها، ولذلك يعرضه للاختبار، ليسمو إيمانه إلى أسمى منزلة وأشرف مكانة. وفي الوقت نفسه ليكشف للخلق فضله وفضيلته.
غير أن ابتلاء الله -تعالى- لمحبوبه فيما يستوجب الصبر لا يكون في كل الحالات إلا لعلة ظاهرة وسبب معلوم، ومرد ذلك إلى ما بين الله -تعالى- وعبده من خصوصية تجعل للابتلاء معنى خاصًا، إذ هو من الله لمحبوبه، فيستقبله محبوبه ليبرز من خلاله ما يعبر به عن تماسكه إزاء حكمه تعالى، فيترقى بذلك الذروة في الإيمان.
ومنذ الوهلة الأولى ينظر النورسي للصبر والشكر نظرة واحدة، فيراهما من نافذة ما أدرجه في الإنسان من عجز لا حد له، وفقر لا نهاية له، وذلك لأن الله -تعالى- قد خلقه على صورة يتألم بما لا يحصى من الجهات كما يتلذذ بما لا يعد من الجهات. فالأولى تدفعه إلى الصبر، فيغدو وكأنه ماكينة صبر، والثانية تدفعه إلى الشكر، فيغدو وكأنه ماكينة شكر (1) .
وعند الكلام في تفصيل كل منهما على حدة، يفرق النورسي المصائب والابتلاءات التي تستوجب الصبر إلى نوعين:
ـ نوع منها يمس الدين: وهو الذي يعد مصيبة حقًا، والتي هي مضرة فعلًا، فلا مناص من الالتجاء إلى الله والانطراح بين يديه والتضرع إليه دون انقطاع (2) .
ـ والنوع الثاني: مصائب لا تمس الدين، وتلك لا يعدها مصائب، إذ منها:
ـ ما هو تنبيه رحماني يبعثه الله تعالى إلى عبده ليوقظه من غفلته، مثل تنبيه الراعي لشياهه عندما تتجاوز مرعاها، فيرميها بحجر. والشياه بدورها تشعر أن راعيها ينبهها بذلك الحجر ويحذرها من أمر خطير، فتعود إلى مرعاها برضى واطمئنان، وهكذا النوائب، فإن الكثير منها تنبيه إلهي، وإيقاظ رحماني لمحبوب الله.
(1) - اللمعات - النورسي ص 15.
(2) - اللمعات - النورسي ص 16.