الصفحة 599 من 3036

ولم يقصد النورسي بقوله هذا إهدار ما ركب الله تعالى في الإنسان من قدرة واقتدار على الكسب، بل أراد أن يستشعر المؤمن دومًا فقره وافتقاره إلى الله، وتعلق فقره وافتقاره بقدرة قادر عظيم مطلق القدرة. وأنه عاجز، ويرتبط عجزه برحمة رحيم رحمن واسع مطلقة (1) ، وهذا الشعور دافع له إلى التضرع إليه وحده والسؤال والطلب منه، وهنا لا يكون الفقر فقرًا، ولا العجز عجزًا، وإنما يكون سببًا للاعتزاز بالفقر إلى الله، ومدخلًا للتلذذ بعجزه، وهذا وذاك عين الدعاء.

ذروة الإيمان

إذا بلغ المؤمن في حبه لله -تعالى- الحمد الذي يحبه فيه الله، وأقيمت العلاقة الإيمانية كلها على أساس من المحبة الخالصة التي لا تشوبها شائبة، فإن الله -تعالى- يعرض محبوبه لأنواع مختلفة من البلايا، كالخير والشر، والغنى والفقر، والصحة والمرض، لا بقصد الوقوف على ما يجهل منه، أو التعرف على حاله، وإنما ليستخرج المؤمن أشرف ما عنده، ويمكن حصر ذلك المستخرج في معنيين تدور حولهما المعاني التي هو بها إنسان:

أولهما: الحالة الزائدة التي تعمل على الإمساك بقوى النفس وتوجهها للثبات والدوران في إطار الحكم الإلهي -الشرعي والقدري- وتعرف هذه الحالة بالصبر.

ثانيهما: المعنى الزائد الذي يفيض من امتلاء المؤمن بالرضا ويكون كالمقابل للنعم الإلهية. ويعرف هذا المعنى باسم الشكر.

وبهما معًا يبلغ إيمان المؤمن أعلى منزلة، وأشرف مكانة. وذلك للمؤمن كالنار التي تخلص الذهب مما علق به من آفات، فإذا عرض للنار خلص وزال عنه ما علق به، وصفي حتى لم يخالطه شئ، وكذلك الإيمان لا يخلص ويصفو إلا إذا تعرض لما ينقيه مما علق به.

(1) - اللمعات - النورسي ص 18 و39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت