الصفحة 598 من 3036

ـ فِعْلِيّ: مثلًا الأخذ بالأسباب هو دعاء فعلي، علمًا أن اجتماع الأسباب ليس المراد منه إيجاد المسبب، وإنما هو اتخاذ وضع ملائم ومرض لله تعالى لطلب المسبب منه بلسان الحال، حتى إن حراثة الأرض من قبيل طرق باب خزانة الرحمة الإلهية، ونظرًا لكون هذا النوع الفعلي من الدعاء متوجه إلى اسم الجواد، فهو مقبول في أكثر الأحيان.

ـ قَوْلي: وهو الدعاء باللسان والقلب، أي طلب الحصول على المطالب غير القابلة للتحقيق، والحاجات التي لا تصل إليها اليد. وألطف غايات هذا الدعاء وألذ ثمراته أن الداعي يدرك أن هناك من يسمع خواطر قلبه، وتصل يده إلى كل شئ، وهو القادر على تلبية جميع رغباته وآماله، ويرحم عجزه ويواسي فقره (1) .

ولعل اختيار النورسي للدعاء كمظهر حقيقي للإيمان، وكمعنى به يتحقق كماله اللائق به يرجع إلى ما لاحظه من ارتكاز الدعاء على قواعد متينة من العجز والافتقار أودعت في الإنسان"مرآة واسعة جامعة للتجليات غير المحدودة للقدير الرحيم" (2) .

ومن العجز ونقصان القوة تنبعث الحاجة الشديدة والملحة إلى رحمة الله، بل إن الضعف ما هو إلا الوسيلة الناجعة لدر الرحمة الربانية، حتى صارت حياة الإنسان وحركته في طلب الرزق ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى ضعفه، وقد عبر النورسي عن ذلك بقوله:

"إن الدليل على أن الرزق يعطى حسب الافتقار والعجز ولا يؤخذ بقوة الكائن وقدرته هو سعة معيشة الصغار الذين لا طاقة لهم ولا حول، وضيق معيشة الحيوانات المفترسة، وبدانة الأسماك البليدة، وهزال الثعالب والقردة ذوي الذكاء والحيل، فالرزق -إذن- يأتي متناسبًا تناسبًا عكسيًا مع الاختيار والقدرة، أي كلما اعتمد الكائن على إرادته وقدرته ابتلى بضيق المعيشة وتكاليفها ابتلاء أكثر" (3) .

(1) - اللمعات - النورسي ص106-107-108.

(2) - الكلمات - النورسي ص363.

(3) - الكلمات - النورسي ص65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت