الصفحة 603 من 3036

"إن الله تعالى قد خلق الإنسان مرآة جامعة لجميع أسمائه الحسنى، وأبدعه معجزة دالة على قدرته، فهو يملك أجهزة يتمكم بها من تثمين وتقدير جميع مدخرات خزائن رحمته الواسعة ومعرفتها، وخلقه على صورة خليفة الأرض الذي يملك من الأجهزة الحساسية بحيث تتمكن من قياس أدق تجليات الأسماء الحسنى، فلأجل هذا أودع تعالى في هذا الإنسان فاقة لا حد لها، وجعله محتاجًا إلى أنواع لا تحد من الرزق المادي والمعنوي، وما الوسيلة التي تمكّن الإنسان من العروج بها إلى أسمى مقام إلا الشكر" (1) .

والشكر وإن احتل هذه المنزلة الرفيعة في حركة الإنسان الحياتية. فهو -أيضًا- يشغل مكانة لا تقل عنها في الوجود وبين المخلوقات. فيقول النورسي موضحًا ذلك:

"ومثلما يبيّن القرآن أن الشكر نتيجة الخلق والغاية منه، فالكون يظهر -أيضًا- أن أهم نتيجة لخلق الكائنات هي الشكر. ذلك لأنه إذا ما أُمعن النظر في الكائنات لتبين لنا: أن هيأة الكون ومحتوياته قد صممت بشكل، ووضعت على نمط، بحيث تنتج الشكر، وتفضي إليه، فكل شئ متطلع ومتوجه إلى الشكر، حتى كأن أهم ثمرة في شجرة الخلق هذه هي الشكر، بل كأن أرقى سلعة من بين السلع التي ينتجها مصنع الكون هذا هي الشكر" (2) .

ثم يتوسع النورسي في شرح ما مضى قائلًا:

"إن الوجود كله يتحرك في دوائر، كل منها تخدم الأخرى. فمثلًا إن جميع موجودات العالم قد صممت بطراز يشبه دائرة عظيمة، وخلقت الحياة لتمثل نقطة المركز فيها، فنرى: أن جميع الموجودات تخدم الحياة وترعاها، وتتوجه إليها. ثم نرى أن موجودات عوالم ذوي الحياة هي الأخرى قد أوجدت على شكل دائرة واسعة، بحيث يتبوأ الإنسان فيها المركز، فالغايات المرجوة من الأحياء تتمركز في هذا الإنسان، والله -تعالى- يحشد جميع الأحياء حول الإنسان، ويسخر الجميع لأجله وفي خدمته."

(1) - المكتوبات - النورسي ص 469.

(2) - المصدر السابق ص 470.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت