الصفحة 604 من 3036

ثم نرى أن عالم الإنسان يتشكل بما يشبه دائرة، وقد وضع في مركزها الرزق، وغرز الشوق إلى الرزق في الإنسان وأصبح بهذا الشوق في خدمة الرزق، فالرزق يحكمه ويستولي عليه. ومثلما يحيط كل شئ بالرزق ويتطلع إليه، فالرزق نفسه أيضًا قائم بالشكر معنى ومادة، وحالًا ومقالًا، ويحصل بالشكر، وينتج الشكر، ويبين الشكر، ويريه، لأن اشتهاء الرزق والاشتياق إليه نوع من شكر فطري. أما الالتذاذ والتذوق فهما شكر -أيضًا- ولكن بصورة غير شعورية" (1) ."

انتهى النورسي من بعد هذا إلى أن في الشكر إيمانًا صافيًا لأن الذي يأكل تفاحة -مثلًا- باسم الله ويختم أكلها بالحمد لله، فإنما يعلن الشكر بعمله هذا، على أن تلك التفاحة تذكار خالص صادر مباشرة من يد القدرة الإلهية، وهدية مهداة من خزينة الرحمة الإلهية، فهو بهذا القول والاعتقاد به، يسلم كل شئ إلى يد القدرة الإلهية، ويدرك تجلي الرحمة الإلهية في كل شئ، ومن ثم يظهر إيمانًا حقيقيًا (2) .

إن وضع النورسي للشكر في قلب الوجود، ثم اعتبار الشكر نفسه إيمانًا هو الذي جعله يخلص في خاتمة تحليله إلى أن الشكر في حقيقته"ما هو إلا رؤية الإنعام في النعمة" (3) أو بمعنى آخر ما هو إلا انكشاف وانفتاح المؤمن للنعم الإلهية، ولكنها رؤية وانكشاف بعين الفؤاد، وذلك لأن الفؤاد -كما بينا- عن طريقه يبصر القلب، ويعاين تلك النعم، فيعلم أن الله وحده هو المنعم الفعلي، عندها يطمئن القلب إلى الله، ولا نقصد بالطمأنينة -هنا- إلا تلك الحالة التي يشعر فيها المنْعَمُ بالراحة والثقة والركون إلى بارئه تعالى، وبها يسميه الله مؤمنًا، وبانكشاف الفؤاد ورؤيته للنعمة يسميه شاكرًا.

(1) - المصدر السابق ص 471.

(2) - المصدر السابق ص 452.

(3) - المثنوي العربي النوري - النورسي ص 225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت