الصفحة 605 من 3036

أما الكافر: فلا سبيل لأن تنفتح عينا فؤاده لنعم الله، ليؤدي شكرها، فهو في ذلك على عكس المؤمن يسميه الله -نتيجة حرمانه من الطمأنينة، ولعدم ثقته بالله- كافرًا، وبانغلاق فؤاده جاحدًا ومنكرًا.

وهكذا يتبوأ الشكر كالصبر ذروة الإيمان في قلب المؤمن، ويحتل كالصبر أشرف مكانة وأعزها، ولكنه يختلف عنه في أن الصبر أداء حركي، يجعل المؤمن في معية دائمة مع الله، في حين يتخذ الشكر معنى قلبيًا، فيه التعبير المباشر عن ذات الإنسان الجامعة لصفات العبودية والخلافة والنيابة معًا.

ثمرة الإيمان

عندما تفضل الله - تعالى- على الإنسان بالتكليف كان باعثه وغرضه إيصاله إلى نهاية المطلوب، وتخليصه -في الوقت نفسه- من نهاية المحذور.

الأولى: هي المنفعة الخالصة. والثانية: هي المضرة الخالصة. وكلاهما لا يبلغهما الإنسان المكلَّف إلا بالتكليف.

غير أن المكلَّف لا ينال المنفعة الخالصة أو السعادة الأبدية -كما يسميها النورسي- إلا بعد اجتيازه مرحلة العبادة والعبودية، حيث ينقاد فيها إلى أوامر الله ونواهيه، ولأن السعادة الأبدية ذات منزلة عظيمة وسامية، فلا تنال بمجرد العبادة، إذ حظ الإنسان الذاتي فيها قليل، وإنما تنال بنفس الكيفية التي كان يتعبد بها الله في الدنيا.

فإذا كانت عبادته لله -تعالى- غاية في التذلل والحب الخضوع مع غاية التعظيم، اقترنت سعادته في دار الجزاء بالتعظيم والإجلال، وإذا انصرف عن عبادة الله -غير متحرز من المضار- اقترن عذابه وشقاؤه في الآخرة بالاستخفاف والإهانة، وتلك هي الثمرة الحقيقية للعبادة، وثمرة الإيمان والتكليف معًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت