فهرس الكتاب
ومن هنا جاء تأكيد النورسي على أن هناك حياة أخرى، فيها ينال الإنسان إما السعادة الأبدية أو الشقاء الدائم، وهو يستدل عليها ببداهة ما نراه في الكون من النظام الشامل، والتناسق البديع المقصود في جميع أجزاء الكون، حيث نشاهد رشحات الإرادة ولمعان القصد في كل جهة، حتى نبصر نور القصد في كل شئ، وضياء الإرادة الإلهية في كل شأن، ولمعان الاختيار في كل حركة.
ولو لم يكن هناك حياة أخرى، فماذا يعني هذا النظام؟ إنه سيبقى مجرد صورة ضعيفة باهتة واهية، وسيكون نظامًا كاذبًا بدون أساس. وستذهب المعنويات والروابط والنسب -التي هي روح النظام، والتناسق البديع- هباء منثورًا، فالحياة الأخرى هي التي جعلت هذا النظام نظامًا فعلًا، وأعطت له معنى، ولذا فالنظام يشير إلى تلك الحياة الأخرى (1) .
ثم يثبت النورسي من جهة العقل والحكمة والاستقراء ما يقتضي ضرورة الآخرة، وذلك من خلال ملاحظته الدؤوبة أنه لا عبث ولا إسراف في الخلق ودليله على ذلك: أن الخالق قد اختار لخلق كل شئ أقرب طريقة، وأدنى جهة، وأرق صورة، وأجمل كيفية، فقد يسند إلى شئ واحد مائة وظيفة. وقد يعلق على شئ دقيق واحد ألفًا من الغايات والنتائج، فما دام ليس هناك إسراف، ولا يمكن أن يكون هناك عبث، فلا بد من تتحقق تلك الحياة الأخرى، وذلك إن لم يكن هناك رجوع إلى الحياة من جديد. فإن العدم يحول كل شئ إلى عبث، بمعنى أن كل شئ كان إسرافًا وهدرًا (2) .
(1) - الكلمات - النورسي ص613.
(2) - المصدر السابق ص 614.