فهرس الكتاب
ينتهي النورسي من هذا إلى"أن عدم اليوم الآخر والحياة الأخرى في حكم المحال، حيث عدمها يعني تبدل الرحمة التي هي منتهى الجمال إلى قسوة في منتهى البشاعة، ويعني تحول كمال الحكمة إلى نقص العبث القاصر وغاية الإسراف، ويعني انقلاب العناية التي هي في منتهى الحسن واللطف إلى إهانة في منتهى القبح والمرارة، ويعني تغير العدالة التي هي في منتهى الإنصاف والحق إلى ظلمات في أشد القسوة والباطل."
ثم إن في عدم مجيء الآخرة سقوط هيبة السلطة السرمدية، ويعني اتهام كمال الربوبية بالعجز والقصور، فكل هذا باطل ومحال، لا يقبله عقل أي إنسان مهما كان، وهو الممتنع والخارج عن دائرة الإمكان، لأن كل ذي شعور يعلم أن الله قد خلق هذا الإنسان في أحسن تقويم وربّاه أحسن تربية، وزوده من الأجهزة والأعضاء كالعقل والقلب ما يتطلع به إلى الحياة الأبدية، ويسوقه نحوها ويدرك كذلك مدى الظلم والفسق إذا ما انتهى مصير هذا الإنسان إلى العدم الأبدي" (1) ."
وكما يؤكد النورسي على ضرورة وحتمية الحياة الأخرى يؤكد -أيضًا- على أن السعادة الأبدية من مقتضيات الرحمة الإلهية فيقول:
"إن رحمة الله تعالى تدل على السعادة الأبدية، وهي التي جعلت النعمة نعمة فعلًا، وأنقذتها من النقمة، ونجّت المخلوقات من نحيب الفراق الأبدي، هي السعادة الخالدة، ودار الخلود، وهي من شأن الرحمة التي لا تحرم البشر منها، إذ لو لم توهب تلك السعادة التي هي رأس كل نعمة وغايتها ونتيجتها الأساس، أي لو لم تبعث الدنيا بعد موتها بصورة أخرى لتحولت جميع النعم إلى نقم، وهذا يستلزم إنكار الرحمة الإلهية الظاهرة بداهة وبالضرورة في الكون، والثابتة بشهادة جميع الكائنات" (2) .
(1) - المصدر السايق ص 97.
(2) - الكلمات - النورسي ص 599.