فهرس الكتاب
ولذلك فقد أملت الفطرة كما أملت الحياة الاجتماعية ضوابط نفسية على الإنسان، إن لم يخضع لها شكَّل خطرًا على نفسه وعلى غيره، لذلك فقد اتجهت تربية الإنسان البدائي في أول الأمر إلى السيطرة على نفسه، وهذا ما لاحظه علماء الاجتماع، إذ قالوا بأن الإنسان البدائي أتقن السيطرة على نفسه قبل إتقانه سيطرته على غيره، فالنفس الإنسانية مجبولة على قابلية الخير والشر والذي خلقها وسواها هو الذي وصفها بهذا الوصف حين قال جل شأنه:
{ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } (1)
وهذه حقيقة تعَرَّف عليها الفلاسفة وأدركتها عقولهم .
يقول الفارابي:"لا يمكن أن يفطر الإنسان من أول مرة بالطبع ذا فضيلة أو رذيلة، كما لا يمكن أن يفطر الإنسان بالطبع حائكًا ولا كاتبًا، ولكن يمكن أن يفطر بالطبع معدًا نحو أفعال فضيلة أو رذيلة." (2) فإذا مورست الفضيلة أو الرذيلة وتكررت تمكنت في النفس بالعادة فأصبحت هيئة وسمتًا تعرف به ، فالفضيلة تكتسب بالتعلم والممارسة ، فإذا تمردت النفس عليها أو لم تستجب لها تمكنت الرذيلة من الإنسان فأصبحت هيئة له وسمتًا.
وهذا ما يؤكده سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يرسي قيمة أخلاقية من قيم الإسلام فيربي عليها الجماعة المسلمة ويوصيهم بالتدريب والتمرس عليها والتحذير من الوقوع في نقيضها ، ألا وهي فضيلة الصدق ونقيضها رذيلة الكذب فيقول - صلى الله عليه وسلم -:
(1) الشمس: 7-10
(2) أبو النصر الفارابي -كتاب فصول نقدية ص21 تحقيق د. فوزي النجار دار الشروق بيروت 1971