فهرس الكتاب
نجد أن عملية التربية متمثلة في تزكية النفوس تقدمت على عملية التعليم، ويلاحظ أن النص الكريم حدد المهمة للرسول - صلى الله عليه وسلم -في ثلاثة أهداف متماسكة:
الهدف الأول هو المنهج ممثلًا في الوحي الأعلى باعتباره دعامة البناء النفسي والاجتماعي والقرآن هنا يطالب الرسول بتلاوة الآيات ومجرد التلاوة لا يكفي وإنما لا بد من المعايشة مع تعاليم هذا المنهج بتلاوته نصوصًا واستنباطه أحكامًا وتطبيقه منهجًا وهذا هو الهدف الأول للرسالة والرسول .
الهدف الثاني هو التربية بهذا المنهج تأمينا للمجتمع وتحقيقًا لسعادة أبنائه وقد اختار القرآن الكريم كلمة التزكية باعتبارها أقرب الكلمات وأكثرها دلالة على معنى التربية، ولعل اللفظين يترادفان في الدلالة على إصلاح النفس وتهذيب الطباع وشد الإنسان إلى أعلى كلما حاولت المثبطات والهواجس أن تسف به وتعوج.
الهدف الثالث هو التعليم وهذه العملية في تصورنا لا تقتصر على مجرد جمع المعلومات والمعارف وتصنيفها في الذهن، وإنما هي عملية تفتيق الملكات الإنسانية وتفجير طاقاتها وتنوير العقول والأذهان بما تحتاجه وتفتقر إليه النفس البشرية من هدايات في عالم الغيب وعالم الشهادة، بما يحقق للفرد والمجتمع أمنهما النفسي والاجتماعي من خلال السلوك الراشد الذي يتولد عن التربية الصحيحة والتعليم المفيد ، ومما لا شك فيه أن حالات التعدي على الأمن العام وتهديد أمن الناس فردًا ومجتمعًا ، مظهر من مظاهر الانحراف في البيئة ، يدل دلالة واضحة على غياب عمليتي التربية والتعليم بمعناهما الصحيح عن البيئة ، حيث تسيطر النوازع الفردية، ويسود الناس منطق الأنانية والأثرة والجري وراء الأهواء ورفض قيود القوانين لأنها تفتقر إلى عنصر القداسة في النفس الإنسانية .