الصفحة 640 من 3036

إحداهما طبقية أهل التقوى ففي ميزان الإسلام لا تدخل الأعراض الزائلة ولا هيئات الناس في تقدير ملكاتهم وإنما المعول عليه قيم متاحة للبشر جميعًا . ولما كان المجتمع العربي قبل الإسلام مجتمعًا طبقيًا ينقسم الناس فيه إلى سادة يملكون كل شيء وبيدهم كل مقاليد الأمور، وإلى عبيد لا يملكون حتى من أمر أنفسهم شيئًا ، فإن الإسلام قد جاء ليعدل الموازين ، ويشكل بصياغة جديدة قيم المجتمع فيستبقي فيها ما يفيد ويحافظ عليه وينميه ، ويستبدل فيها ما يضر، ويغير من نظرة الناس بعضهم لبعض ، ويضع معيارًا ثابتًا بثبات قيمه في تقدير البشر ، ويرفض النظر السطحي الذي يقف عند حدود الظاهر من الأشياء ولا يغوص إلى عمق الإنسان ليجلي أجمل ما فيه من الفضائل والقيم ، ويخضع تقييم الرجال لمعايير جوهرية جديدة لم يعرفها المجتمع الجاهلي من قبل تتصل بنظافة الخلق ونظافة الضمائر ورجاحة العقل وطهارة النفس ، وتلك قفزة نوعية في التقدير والتقييم أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرسي قواعدها وأن يغرس بذورها في مجتمع كانت الكلمة والسيادة فيه لمن يملك المال وإن خبثت نفسه ودنست فطرته ، فأراد أن يجعلها لمن يملك طهارة النفس ورجاحة العقل وشرف الضمير ، وأن الثراء والفقر لا دخل لهما في تقدير الرجال، وأن البشر جميعًا متساوون في أصل الخلقة والتكوين، فلا ميزة لدم على دم، ولا لجنس على جنس، ولا للون على لون آخر، يقول الحق تعالى:

{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم } (1) .

(1) الحجرات: 13

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت