الصفحة 649 من 3036

لذلك كان من الضروري ونحن على مشارف القرن الواحد والعشرين أن نربط بين القيم المادية والقيم المعنوية في عقول الناشئة وفي منهج التعليم وفي أساليب التربية وآليات صياغة العقول، فلا يتركز الأداء العلمي والتربوي على الجانب المادي فقط ، وإنما لا بد من تكامل الرؤية بين الجانبين حتى نتلاشى انشطار الذات، لذلك يلفت النورسي نظرنا بشدة إلى هذه الحقيقة فيقول:

"إن الذين يبحثون عن كل شيء في المادة عقولهم في عيونهم ، والعين لا تبصر المعنويات." (1)

وهذا الذي يلفت النورسي انتباهنا إليه إنما هو حقيقة قرآنية صادقة ، حيث يقول الله فيها:

{ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين (2) }

كما يلفت النبي - صلى الله عليه وسلم - نظرنا أيضًا إلى هذا التوازن حين يقول - صلى الله عليه وسلم -:

"كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة".

وبرغم معاناة الرجل، وبرغم الحياة المليئة بالمتاعب التي عاشها مجاهدة ومطاردة وعراكًا مستمرًا وطردًا ونفيًا وتشريدًا، إلا أن الرجل بفكره الثاقب ونظره البعيد استطاع أن يسمو بنفسه فوق كل هذه المتاعب، ومزج بين جمال الفكر وروعة الفكرة وبين متع الحياة ولذاتها في داخل النفس حتى ولو كان الإنسان صفر اليدين خالي الجيوب ، فالفقر لا يمنع الإنسان من المتعة ولا يحول بينه وبين لذة الاستمتاع إذا حسنت رؤيته، وحينئذ يتحول برغم الفقر إلى صديق حميم للحياة حتى في صورتها الحسية التي قد ينظر البعض إليها نظرة تحقير وازدراء .

يقول النورسي:

"من أحسن رؤيته حسنت رويته وجمل فكره، ومن جمل فكره تمتع بالحياة والتذ بها." (3)

(1) المكتوبات س 606

(2) القصص: 77

(3) الكلمات ص 606

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت