الصفحة 718 من 3036

لم توافق هذه الوصية - آنذاك - استعدادي وأحوالي الروحية.. وأخذت أفكر مليًا: أيهما اتبع!. أأسير وراء هذا، أم أسير وراء ذاك؟ احترت كثيرًا وكانت حيرتي شديدة جدًا، إذ في كل منهما خواص وجاذبية، لذا لم استطع أن اكتفي بواحد منهما.

وحينما كنت أتقلب في هذه الحيرة الشديدة.. إذا بخاطر رحماني من الله سبحانه وتعالى يخطر على قلبي ويهتف بي:

-إن بداية هذه الطرق جميعها.. ومنبع هذه الجداول كلها.. وشمس هذه الكواكب السيارة.. إنما هو القرآن الكريم فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون إلاّ في القرآن الكريم..

فالقرآن هو أسمى مرشد.. وأقدس أستاذ على الإطلاق.. ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن واعتصمت به واستمددت منه.. فاستعدادي الناقص قاصر من أن يرتشف حق الارتشاف فيض ذلك المرشد الحقيقي الذي هو كالنبع السلسبيل الباعث على الحياة، ولكن بفضل ذلك الفيض نفسه يمكننا أن نبين ذلك الفيض، وذلك السلسبيل لأهل القلوب وأصحاب الأحوال، كلٌ حسب درجته. فـ"الكلمات"والأنوار المستقاة من القرآن الكريم (أي رسائل النور) إذن ليست مسائل علمية عقلية وحدها بل أيضًا مسائل قلبية، وروحية، وأحوال إيمانية.. فهي بمثابة علوم إلهية نفيسة ومعارف ربانية سامية. (1)

السنة النبوية مصابيح الهدى:

عندما كان هذا السعيد الفقير إلى الله يسعى للخروج من حالة (سعيد القديم) ارتج عقلي وقلبي وتدحرجا ضمن الحقائق إزاء إعصار معنوي رهيب، فقد شعرت كأنهما يتدحرجان هبوطا تارة من الثريا إلى الثرى وتارة صُعُدا من الثرى إلى الثريا، وذلك لانعدام المرشد، ولغرور النفس الأمارة.

فشاهدت حينئذ أن مسائل السنة النبوية الشريفة بل حتى ابسط آدابها، كل منها في حكم مؤشر البوصلة الذي يبين اتجاه الحركة في السفن. وكل منها في حكم مفتاح مصباح يضئ ما لا يحصر من الطرق المظلمة المضرة. (2)

سلكتُ طريقًا غير مسلوك:

(1) المكتوبات/ 457 - 459

(2) اللمعات /82

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت