الصفحة 729 من 3036

من أعمال"اسپارطة"في غربي الأناضول في 1/3/1927 حيث قضى الليلة الأولى في مخفر الشرطة، ثم خصص لإقامته بيت صغير يتألف من غرفتين ويطلّ على مروج"بارلا"، وبساتينها الممتدة إلى بحيرة"أغريدير"العذبة، وأمامه البيت شجرة عالية من أشجار الدلب.

صنع أحد النجارين غُرفة خشبية مكشوفة صغيرة بين أغصانها. فكان الأستاذ يقضي فيها اغلب أوقاته في فصلي الربيع والصيف متعبدًا لله، ومتأملًا ومتفكرًا حتى انبلاج الصباح في معظم الأحيان، فلا يعرف أهالي"بارلا"متى ينام الأستاذ ومتى يستيقظ! ولا يمر أحد قرب تلك الشجرة في سكون الليل إلاّ ويسمع هَمْهمة العالم المُتعبّد المتهجد.

كان الأستاذ معتل الصحّة دائمًا وكان قليل الإقبال على الطعام، بل يمكن القول بأنه قضى عمره كله وهو نصف شبعان ونصف جائع، إذ كان يكتفي في اليوم الواحد بإناء صغير من الحساء مع كسرات من الخبز، ويأتيه طعامه من بيت أحد الجيران، وكان يدفع ثمن الطعام دائمًا وبإصرار، إذ كان شعاره الذي طبّقه طوال حياته هو ألاّ يأخذ شيئًا من أحد دون مقابل، وقضى حياته كلها ملتزما بهذا الشعار ولم يتخل عنه في أصعب الظروف مستغنيًا عن الآخرين بما فرضه على نفسه من الاقتصاد والبركة وعلى ما ادّخره سابقًا من الليرات.

كانت عيون السُلطة تترصّدُ الأستاذ وتُراقب حركاته وسكناته لذا كان الأهالي يتجنبون الاقتراب منه والتحدث إليه، فكان يقضي أكثر وقته في البيت أو يخرج في فصلي الربيع والصيف إلى جبل"چام".ويختلي هناك بنفسه في قمة الجبل وبين الأشجار متأملًا ومتعبدا". (1)

"خرج الأستاذ أحد أيام الصيف من بيته متوجهًا إلى الجبل كعادته.. كان الجو صحوًا والشمس مشرقة وما أن وصل إلى قمة الجبل حتى تلبدت السماء بالغيوم السوداء منذرة باقتراب عاصفة.. وفعلًا ما لبثت السماء أن أرعدت وأبرقت وبدأت الأمطار تسقط بغزارة.. كان الأستاذ وحيدًا على قمة الجبل ليس له من ملجأ يتقي فيه سَيلَ المطر المُنْهَمر سوى الأشجار التي لم تكن هي الأخرى كافية لتمنع عنه البَلل، وبعد مدة ليست بالقصيرة خفّت شدة المطر واخذ ينزل رذاذًا، وأنتهز الأستاذ الفرصة وقفل راجعًا الى البلدة، وقد تبلّل من رأسه الى أخمص قدميه، وفي الطريق تمزق حذاءه، فدخل البلدة وهو يَحملُ حذاءه بيده ويغوص في الطين بجواربه الصوفية البيضاء."

وهناك بالقرب من نبع الماء كان جمع من أهالي"بارلا"مجتمعين يتحدثون، شاهدوا هذا المنظر المؤثر، منظر العالم الجليل المهيب المنفي عن موطنه.. الوحيد.. المقاطع من قبل الجميع، وهو يحمل حذاءه الممزق بيده، ويغوص في الطين بجواربه، وقد تلطخت أطراف ثيابه بالطين. خيّم سكون ثقيل على الجميع وتجاذبت الكثيرين عاطفتان مختلفتان، عاطفة الإسراع لمد يد المساعدة إليه، وعاطفة الخوف من عيون السلطة المترصدة لكل حركة من حركاته، وأخيرًا يندفع من بين الجمع شخص اسمه"سليمان"ويصل إليه حيث يأخذ الحذاء من يده ويغسله في الحوض ثم يرافقه حتى منزله ويصعد معه إلى غرفته.ويصبح (سليمان كروانجي) هذا أول صديق له ويتتلمذ على يديه ويقوم بخدمته ثماني سنوات في بارلا. وكان مثالًا للصدق والوفاء والإخلاص. توفي في سنة 1965 رحمه الله رحمة واسعة". ذكريات عن سعيد النورسي/32 ش/277"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت