الصفحة 728 من 3036

فساد جو من الذعر و الإرهاب في أرجاء البلاد، حتى أصبح الناس يخفون القرآن الكريم عن أنظار موظفي الدولة. ونشطت الصحافة في نشر الابتذال في الأخلاق والاستهزاء بالدين، فانتشرت كتب الإلحاد وحلت محل كلمات (الله، الرب، الخالق، الإسلام) كلمات (الطبيعة، التطور، القومية التركية..الخ) .

وأخذ المعلمون والمدرسون يحاولون مسح كل أثر إيماني من قلوب الطلاب الصغار إذ أصبحوا يلقنونهم الفلسفة المادية وإنكار الخالق والنبوة والحشر. وسعت السلطة الحاكمة آنذاك بتسخير جميع إمكانياتها وأجهزتها وقوتها ومحاكمها إلى قطع كل الوشائج والعلاقات التي تربط هذه الأمة بدينها ونزع القرآن من قلوبهم، حتى أنها قررت جمع المصاحف من الناس وإتلافها، ولكن لما رأوا صعوبة ذلك خططوا لكي ينشأ الجيل المقبل نشأة بعيدة عن الإيمان والإسلام فيتولى بنفسه إفناء القرآن. (1)

في بارلا:

"وصل الأستاذ سعيد النورسي إلى منفاه"بارلا" (2)

(2) يقص"شوكت دميرآي"وهو الجندي المكلّف بنقل الأستاذ النورسي إلى ناحية"بارلا"ذكرياته فيقول:

"كُنتُ في مدينة"اغريدير"عندما استدعوني إلى مركز البلدية صباح أحد الأيام.. فذهبت إليه وكان هناك القائمقام وآمر الجندرمة مع أعضاء هيئة البلدية وشخص معمم في العقد الرابع من عمره يلبس جبّة وله هيئة وقورة."

خاطبني آمر الجندرمة قائلًا:

-اسمع يابني، عليك أن تأخذ شيخنا هذا المعروف ببديع الزمان إلى بارلا. إن وظيفتك هذه مهمة جدًا، وعندما تسلّمه إلى المخفر هناك دعهم يوقعوا على الأوراق الرسمية ثم اخبرنا بذلك. قلت له:حسنًا يا سيدي.

خرجت مع الشيخ وفي الطريق قلت له:

-يا شيخنا أنت بمثابة والدي وان هذه وظيفة كلّفتُ بها فأرجو أن لا تستاء منّي.

ثم يستمر في وصف الرحلة بالقارب فيقول:

"كان الجو باردًا، فالفصل شتاء ومياه البحيرة متجمدة هنا وهناك وأحد جذافي القارب يكسر الثلوج بعصًا طويلة في يده ويفتح بذلك طريقًا للقارب."

بدأ الشيخ بديع الزمان بتوزيع بعض الزبيب وبعض الحلوى علينا، كنت أتفحصه بدقة فوجدته هادئًا كل الهدوء إذ كان يتأمل في البحيرة والجبال المحيطة بنا..

ولكون النهار قصيرًا فقد أزف وقت صلاة العصر بسرعة . اراد ان يصلي واقفًا فوجّهنا القارب باتجاه القبلة . سمعت صوتًا يقول:

-الله اكبر!.. لم اكُن قد سمعت في حياتي كلّها تكبيرة بهذه الرهبة والخشوع، شعرت بان الشعرَ في أجسادنا قد وقف. لم تكن حركاته وأطواره تشبه أطوار الشيوخ الذين عرفناهم..

كُنا نحاول جهدنا ان نبقي على القارب باتجاه القبلة وعندما انهى الشيخ صلاته، التفتَ الينا قائلًا:

-شكرًا لكم يا اخوتي، لقد أتعبتكم!

كان شخصًا متواضعًا ودمث الأخلاق".ذكريات عن سعيد النورسي/30، ش/259"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت