فهرس الكتاب
ودخلنا الحرم ، الحركة دائبة ، والنسوة يستكملن ترتيبات أفراحهن بشهود هذا الضريح وقراءة الفاتحة على روح ساكنه تمينا واستشفاعا. وقابلني صبي تقوده أمه وقد تزين بثياب بيضاء وبتاج ذهبي فوق رأسه ، هو مختون أو بصدد تهيئته للختانة على ما قيل . ودلفنا إلى البهو حيث ثوى الجثمان الطاهر ، وتاهت أفكارنا وراء تلك الرحلة الشاقة والبعيدة التي قادت هذا اليثربي البر إلى هذه الديار، يفتتحها باسم الاسلام ويعلي مآذنها تدوي بصوت الحق في كل حين.
حنانيك يا صاحب القبر ، يا من حملت الشمعة في حضرة إمام المرسلين ونلت منه الرضى وطاب بك فارسا ترابط على حدود أرض الاسلام في أهم ثغورها.
أي شأن أعلى مقامك وأسْنَى ذكرك أنت أيها اليثربي حتى غدوت قلعة برزخية يلوذ بك بنو الاسلام من العجم ، يلتمسون في عتباتك شيئا مما حمَلْتَه إليهم من نفحات الاسلام ونسمات القرآن؟
طوبى لك من حارس لدار الاسلام في هذا البر الركين ، طوبى لمن وقروك واتخذوك مشهدا للورع تتقوى به لحمتهم مع الاسلام.
وقرأنا الفاتحة ، وسرنا نفسح المجال لمن التحق بالضريح يزوره ويتبرك به.
مضوا بنا إلى منتجع يشرف على الخليج ، كان واضحا أنه مكان يطرقه السواح الأجانب ، فقد امتدت المقاعد والموائد من حولنا وجلس عليها أشتات من الرجال والنساء . المآذن حيالنا عالية ورقيقة، والقباب رائعة الهندسة، واسطنبول تستوعب المدى المائي والأرضي بكبرياء ، جيء بالفاكهة والعسل والحلوى وصب الشاي ، ولفت نظري حضور هذا الشيخ الوسيم ذو النظرة الحليمة ، سأعرف أنه"محمد فرنجي"، طالب نوري ، عاش في الخدمة أعزب، حتى ساق له الله"مريم"الانجليزية ، فسدد منهما رايتَي خير تحملان النور القرآني إلى أصقاع من هذا الكون.