فهرس الكتاب
ثم سألني: ترى هل ترك تراثا أو كون تلاميذ يخلفونه في الدعوة ؟ قلت: ترك تفسيرا للقرآن ودروسا في التوجيه ، وكان له معهد تخرج منه المائات والآلاف من الطلاب ، لكن حرب التحرر والجهاد أتت عليهم إلا من كتب الله له العمر الطويل. هز الشيخ رأسه ثانية قائلا: لم يذهب جهده هدرا ، ولم يكن استشهادهم ضياعا . لقد استرجعوا للجزائر عزتها إذ نصروها في معركة المسخ والتنصير. وسمعت صوت أحدهم ولكنته القوقازية جلية يسأل الأستاذ: سيدي سيارتك فارهة وقد كنت أحسبك معدما ؟ وتبسم الأستاذ ورمق سائله بطرف يفيض محبة ثم قال: من لا يفتأ يصرح بأنه حتى الرسائل التي هي من خالص جهده ومن بنات تأملاته في القرآن العظيم ، ليست له ، فهل يسعه أن يزعم أنه يملك سيارة . كلا يا ولدي ، تلك السيارة ليست ملكي ، هي ملك للرسائل . ولو أنني تأخرت إلى وقت آخر وأهديت لي طيارة لما ترددت في قبولها لما أعرفه لوسائل الاتصال من جدوى وفاعلية في حمل الأفكار ونشرها عبر الآفاق. فتعاليم القرآن العظيم في مسيس الحاجة إلى أن تُبَسَّطَ وتذاع بين العالمين بكل الوسائط. هل فهمت يا ولدي؟
وسمعت طالبا من الحلقة يتدخل ، ورأيت الشيخ يأذن له بهزة من رأسه ، فتنحنح بأدب وقال: لا فرق بين أن تحوز الرسائل سيارة أو قطارا أو قمرا صناعيا .. ما دام ذلك يفيدها في تأدية غاياتها السامية ، ألم نتطور بعملنا من مرحلة أولى ونتحول من الاشتغال اليدوي إلى مرحلة الاشتغال بالآلة ثم بالمسجلة في نشر الرسائل ؟ وقال صونغور وقد رأيته يستأذن هو أيضا الأستاذ: لو أن الشيخ النورسي عاش عصرنا لما تردد في أن يحمل نقالا.