الصفحة 804 من 3036

وهنا اعتدل الأستاذ وتخلص من الغطاء الذي كان يلتف فيه ،وراح يضم فوق صدره طرفي معطفه . تابعت الأعين حركات يديه العظميتين وهو يعالج هندامه ، وسرعان ما تنكست الرؤوس ، لم نستطع أن نعاين رثاثة الثوب القديم وقد كللته الرقع في كل مكان ، هل يحق لنا نحن أن نقف في حضرة هذا الراهب الرباني العجيب ؟ ما بالنا لم نتأدب ونحن نقبل على هذه الحضرة فنتدثر خرقا نرتفع بها قليلا حيال هذا القطب خادم القرآن ؟

أي عمىً أخذنا إذ اقتحمنا عرين الصلاح دون أن نتسلح بشيء من أسلحة الحياء ندفع بها عن أنفسنا رهبة الطريق ؟ كان الخجل قد بلغ منا مبلغه حين سمعنا الشيخ يأمرنا بالجلوس ، وامتدت يده إلى عويس بنسخة من الرسائل ، وطلب إليه أن يفتتح الدرس بآيات من كتاب الله ، وبكل انصياع تعالى الصوت الأزهري يرتل سورة يس . ثم تتابعنا نقرأ نصوصا من المكتوبات ، وحانت منا التفاتة في بعض الأطوار فإذا الشيخ غائص في أوراد يهمس بها إلى نفسه ، ثم جاءت أخيرا دعوته لنا بقراءة الفاتحة ، ورفعنا خلفه أيدينا ، ورحنا نتابع شفتيه ترتعشان ، كانت عيناه تهيمان في أفق بعيد بعيد ، وكانت ملامحه تتلون ، تعروها أحوالا من الضراعة والاسترحام ومن التفاؤل والإشفاق ، ورحنا نحن في ذلك الموقف الفائض بالأنوار نذوب تأثرا وتجاوبا مع حال الوجد التي سرت في جوانح كل منا.

لقد كنا أشبه بقطعة من ثلج يلقى بها إلى البحر. وشاهدت أفراد الحلقة يخفون إلى الشيخ يلثمون يديه وهو عنهم غافل يمضي في نشر الغطاء على جسده ، ثم رأيته يومئ إلى كومة من الورق قائلا: اعطوا لكل واحد من ضيوفنا نصيبه .. وحين استوى متمددا على الوسادة كما كان أول الأمر، سمعته يوزع المهام عليهم بصوت خفيض لا يكاد يبين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت