فهرس الكتاب
وأنت يا جودت ، يا من أوتيت مزمارا من مزامير داوود ترتل به القرآن وتجعل نفوس الأشبال تجنح في موج من العذوبة .وأنت يا ابراهيم ، أيها الشبل البري ، أيا من تحمل مهجتك على كفك وتتصدى للطوارئ وتستميت في أن تجعل من لحمك ترسا يحتمي به الغير ؟ وأنت يا أيها الاسبرطي ، يا صاحب الفتوة المتينة يا من تساقطت ألياف من التلج الأسمر على ناصيتك قبل مجيء فصل الخريف، يا ضاحك السن ، يا من تلتمع نظارتك البيضاء لدى كل بسمة فينكسر لها طرفك من خجل فطري مكين تخفق حال الاستنفار التي أنت عليها أن تخفيه. ها أنت رهن الإشارة لنشر كل ربيع ، ولبذر كل مرجان ، ولإفشاء كل نور.
وأنتَ ،وأنتِ، وأنتم ، وأنتن ، يا من تسكنني بسماتكم العسلية وتغيب عني أسماؤكم ، يا من شاهدتكم عيني سهاما مبرية تصيب الهدف ولا تخطئ ، وأقلاما تخط الحكمة وترسم النقوش الزاهية ، يا حناجر ملائكية تشدو للسلم والسمو والمحبة وحقوق الانسان. يا أنتم، معذرة إن فاتني أن أقيد الأسماء والمواقيت ، فجغرافيتكم في القلب رحيبة ، أرحب من قارتي آسيا وأوروبا اللتين يتمدد عليهما وطنكم العظيم.
اسطنبول الفارهة عذبة بلا بهرج ، لا تلون شفتيها ولا تصبغ عينيها ، ولا ترسل شعرها منثورا على كتفيها، ولا تحلي نحرها ، فما السمراء بحاجة لظفائر. اسطنبول تبادل الشمس الهمسات ، وتستمنحها من وهجها قبسا ، وحين تسأم الغناء ، تتمدد على الضفة وتستسلم لحبات المطر تغسل جسدها الخيزراني. اسطنبول يا حلم الرحالين ، ومطمح الجبارين ، وغاية العابدين ، وملاذ الطيبين ، ليس عبثا أن تكوني دارا للسلام ومرتعا للإسلام ومقرا للخلافة ومفتاحا لشرايين الأرض وفردوسا للحالمين. ليس عبثا أن تستقطبي إليك أهل الشأن من أطراف الدنيا كلها ، هنا زأر جمال الدين في العرين ، وهنا استطاب الأمير عبد القادر المقام بعد عناء الاعتراك مع جحافل الليل.