الصفحة 812 من 3036

يا بلدة متعددة الوجوه والأقنعة ، ويا وجه بلا ظلال ، يا أفق ضم يديه على كنوز الأرض ، ووقف على ناصية الكون ، فارجا رجليه على قارتين. يا قلعة شماء ما زال لها من الأدوار والأطوار ما تستعيد به فتوة الزمن وما يزدهي به وجه القرآن.

قاسم وقصته مع النور

وحدثني قاسم عن ظروف التقائه بأهل النور، يرجع تاريخ ذلك الحدث إلى عام 57، في العراق، كانت المرحلة تعج بالفكر الكسيح، كانت التقدمية تقترن بالإيمان بأن أصل الإنسان قرد، وأن المصير عدمي، وأن المخلوق من التراب ظهر وإلى التراب يؤول.. كانت الثقافة الإسلامية التقليدية تتلقى الضربات الموجعة، وكان الفهم المتوارث للآيات عاجزا عن الثبات أمام المنطق الدهري، كانت ذخيرة الحرب وعدة المصاولة التي استخدمها الأفغاني في رسالته الرد على الدهريين وما زاده عليها تلميذه عبده من تجويدات في رسالة التوحيد التي كتبها في مسعى منه لتثبيت القلوب قد فقدت ما كان يبدو لها من فاعلية في إفحام الملاحيد، كان مطلع القرن العشرين قد بدأ يشتط على الناس بمستحدثاته الميكانيكية والطبية والفكرية ويبلبل أرواحهم أكثر فأكثر فلم يعد في وسع كثير من مسلمات الماضي أن تصمد في وجه التحدي المادي. وما ظل المسلمون يتحاجَّوْن به من موضوعات الجبر والاختيار، قد أوجدت له الفرويدية تأويلا حل في ضمير الأجيال محل الحقيقة المقدسة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.. وما استغرق الناس عهودا طويلة من جدل في مسائل القضاء والقدر، جاءت الماركسية تختزل البديل عنه في قولها بالحتمية، حتمية اندحار قيم الماضي وترسُّخ قيم أخرى أساسها الجبرية التاريخية الواثقة من انتصار المستقبل على الماضي، ومن شيوع المِلْكيات، وتَحَطُّمِ البُنَى -وفي مقدمتها الدين والأسرة والعرض والملكية- التي ظل الإنسان القديم يعتد بها. متغيرات تدفع متغيرات، وحقائق مستمدة من الدين تنهزم أمام حقائق مستمدة من الافتراض الإنساني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت