فهرس الكتاب
والخيال الحسي.. في ذلك الخضم كان الإسلام يتلقى ألوانا من النَّبْزِ والاستهتار بمبادئه على يد الخصوم وعلى يد طوائف من الأبناء العاقين ممن أصابهم جرثوم الإلحاد، لم يكن في وسع الغيورين إلا أن يتداعوا إلى الصمود، وهكذا وجد قاسم نفسه يسير في ركاب أهل الإيمان. كانت خطب الدعاة تشده لكنه كان بطبعه البرهاني يشعر بنقص ما في دعائم ما كان يسمع من خطب وما يقرأ من أفكار مؤمنة. كان أبوه مدرسا للعربية، لكن قاسما نشأ محكوما بمنزع الانغلاق الذي تورثه التربية الأسرية حين تقيم مُثُلَ حياتها على قواعد النسب العرقي. أذكر أنني قدَّرتُ أول عهدي بمعرفة قاسم أن يكون كرديا، إذ غاب عني الوازع الإلهي الذي يجعل إنسانا مثل قاسم العراقي يتعرف على فكر مثل فكر النورسي لو لم يكن الجامع بينهما اللغة أو وحدة النسب والقومية. لكنني قرأت الرسائل ووجدت النورسي يتخذ من منزع القومية ذلك الموقف الحصيف الذي غرسه فيه دون شك حبه واعتصامه بالقرآن لا غير. فسمو نظرة النورسي للقومية يتميز بكونه اعترف بها واستبقاها كعاطفة إنسانية تنزع بالإنسان إلى التكامل مع بني رحِمِه ومع الشجرة التي يتفرع منها نسبه، لكن النورسي لم يُنَوِّهْ بهذا النزوع الإنساني الذي تمثله القومية إلا في حدود ما يتوافق مع الميل الفطري الذي تتجاذب به المخلوقات والكائنات بعضها من بعض، وإلا فإن النورسي قد نقم على القومية في شكلها الاصطناعي السلبي، تلك التي تتأسس على نبذ الأعراق وعلى الاستعلاء السلالي وعلى تقديم وحدة الرحم على وحدة العقيدة، فالنورسي بهذا النحو قد ثار على القومية التي نمَّاها في المجتمعات البشرية التصارع الشعوبي ذو المقاصد الدنيوية التوسعية والاستعظامية كما حدث في أوروبا حين جنحت الأقوام هناك إلى تقديم مبدإ الخصوصية العرقية فكان الناتج أن تدنست الثقافات الغربية بجراثيم التعصب والنعرة السلالية وحصل ما حصل من الحروب والتمزقات. وأخطر المخاطر