فهرس الكتاب
ما تسرب من شوائب فكر القومية إلى اللحمة الملية الإسلامية ، بحيث تفككت بسببها عُرَى التواصل فخسرنا قوتنا بتفرقنا وكان الكاسب هو الخصم الذي خطط ودبر وأوقع نُخَبًا منا في الخطأ فانساقت وراء أوهام معتقد القومية بصورته المشؤومة. هكذا تأكدْتُ أن حماسة قاسم المنقطعة النظير لفكر الرسائل إنما دافعها رباني وليس دافعا آخر.. وبعد سنوات من تعارفنا، سيُكْتَبُ لي أن أنزل ضيفا عنده، وسيجمعنا أياما فاقت الأسبوع سقف واحد، وسنلتئم كل حين على مائدة الطعام، وسأجد نفسي أستقل بمرافق البيت: خزائن كتبها وتأثيثها ووسائل ترفيهها، سأجد نفسي أتنقل بلا استئذان بين جناحي البيت، حين يستدير الظل شمالا أرحل إلى الغرفة الجنوبية استمتاعا بنسمة الجنينة، وحين تكون الشمس في مدارها الآخر أبقى حيث مهجعي، تنش علي أردية الباب والنافذة بنسائم تستجمعها من جهات شتى فتصلني محملة ببرودة بدأت أعرفها ولا أنكرها، برودة بحر مرمرة الحالم..لم ينقطع الحديث بيننا طيلة تلك المدة، ووجدتني أقول له ذات حين أراك منصرفا كلية إلى الرسائل وإلى ما يقوي روحية الإيمان، فأين هو حظ الدنيا من برنامج حياتك؟ وحين مضينا في الحديث أقسمت له صادقا بأنني لا أعلم ثمن الخبزة في بلدي، فأنا أيضا تستهويني صومعة الحب الأبدي، فقد اتخذت منذ كنت الكتاب قبلتي ولا تكاد تتصرم مرحلة من العمر إلا ويزداد يقيني بأن ما أنا فيه هو الأروع والأنفع والأبقى. النورسي كان منتجا، ونحن مستهلِكون، عبقريته أهلته لأن يحرث ويستزرع أعظم الأغراس، وعبقريتنا هدتنا إلى أن نتخير أشهى المطعومات وأحبها للروح. وحدثني قاسم بماضيه فقال كنت من أشد الناس إعجابا بالقومية، كان رموزها عندي مؤلهين، كنت أحمل في نفسي احتقارا ونفورا من العصبيات الأخرى، وعشت معزولا مع اخوتي، لا أخالط أقراني، حتى إذا حلت مرحلة الإعدادي دخلت القاعة، فإذا المدرس يكلمني وإذا الطلاب يكتشفون عدم معرفتي للعربية، ومنذئذ