الصفحة 821 من 3036

بالصمود والمكابرة، الهزيمة تحل سريعا، كالجدار حين يتهشم من أساسه، لا يبرح أن يتهاوى، هكذا كنت أشعر بأنني أتهاوى ولا منجى لي، ودخلت في مرحلة الفزع، كل ما سيصدر عني منذ الآن هو هستيريا الرعب ونشدان البقاء، هل كنت أتخبط ، لابد أنني كنت أتطلَّعُ إلى أن تستيقظ كل محركات جسدي، كل عضل من عضلات هيكلي فتدفع بالجسد الذي فقدت الآن تماما السيطرة عليه إلى خارج الغور، ولا أدري كيف وجدتني أصرخ وأهتف باسم صديقي: عبد الحق يا عبد الحق..لابد أن صوتي كان يحمل هديرا وحشيا وإلا ما كانوا لينتبهوا إلي في لهوهم وانطلاقتهم تلك، وأقبلوا علي، وشكلوا السلسلة بأذرعهم ، وانتهى طرفها إلي ، وامسكوا بيدي وأنا في منطقة متقدمة من فقدان الشعور، لابد أنني قاومتهم وفلتُّ منهم ، فالغريق يقاوم بعنف اليد التي تمتد لانجاده، كأنما يرى فيها الخطر كله الذي يتهدده، وفيما كانوا يمسكون بي ويسحبوني إلى الوراء، انقطعت سلسلة الأذرع التي كانت تحاول انقاذي، وتفكك الصف الذي هب لنجدتي، لا جدوى من أي مسعى الآن، لقد طواني الموج العاتي تحته، ودار فوقي التيار المجنون وسيرحل بي لا محالة إلى العالم الآخر، ووقف الجميع ينظرون باستسلام ووهن وهزيمة إلى الناحية التي غيَّبتني، لقد فشلوا في أن يصنعوا شيئا، لقد تركوا الموج يأكلني، ولا أدري كيف برق في رأسي من جديد اسم أحدهم ورحت كمن يعيش كابوسا أبذل كل ما بقي لدي من آثار جهد وأصيح يا عبد الهادي، يا عبد الهادي، لأغطس من جديد في ظلمة الغياب وكأنني في درك من الظلمات لا قرار له. قال ولابد أن يكون صوتي الذبيح قد وصل إلى عبد الهادي، وإذا عبد الهادي يراهن وحده على المجازفة، وإذا هو يندفع، ويتخطى بحمية ليست له، وينتهي إلى البقعة الموارة التي ابتلعتني فيغطس ويعيد الغطس، ثم يرتطم ذراعه أخيرا بشيء ما ، فيخفق قلبه ، ويسارع إلى النفاذ أسفله، ليضع ذلك الشيء الهامد الثقيل على رقبته ويرتد به إلى اليابسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت