فهرس الكتاب
عدنا إلى اسطنبول، وتجولنا في إحدى المدارس، كان جودت يستقبلنا، ما باله ازداد صمتا؟ ما باله ازداد انتكاسا؟ يبدو فوق سنه بكثير، ليس في ملامحه، فهو من حيث الملامح أقل من سنه، لكن في مسلكه، العبادة تورث هذا الاغتمام الروحي، ومع ذلك لا تلبث إذا ما حركته أن ترى الانقشاع يتجدد في وجهه من خلال بسمة طفلية مختزلة يواجهك بها ثم يفر منك بعينيه نحو الأرض. وجاءني صبية سألتهم عن أسمائهم فعرفت أن أحدهم أخا جودت، توفي الوالد منذ سنة، كنا رأيناه في تلك الرحلة هاشا، سعيدا، يتابع نشاط ابنه بعين فيها الرضى والحمد..الصبي أخوه ينطوي على شموخ، إنها عزة الإيمان تباكر هذا الشبل النوري منذ الميعة. وطفنا، أبهاء المدرسة فسيحة، وكل أقسامها جديدة، وما زالت الأشغال جارية في أكثر طوابقها، وتطلعت نفسي للجلوس والاستماع إلى أصوات هؤلاء الفتيان ترجِّع القرآن وتتغنى به، لكنهم جاؤا بالطعام، مدوا الخوان من الجدار إلى الجدار، واصطف الطلاب والزوار من الجانبين، وامتدت الأيدي وطعمنا، ثم وجدتهم يستعجلوننا، ولم أكن أرغب إلا في البقاء في ذلك المكان، وخرجنا إلى الشارع، هناك ظلمة محسوسة، هناك سيارة أخرى متهيأة للسير، ورأيت أحدهم يدفع بي إلى الداخل ويضرب الباب وما لبث وحدت أن انطلق، كل ما فاته أن يفعله بهذه السيارة المسكينة خلال رحلتنا إلى بروسة سيفعله بها الآن، في هذه الطريق التي بعضها كان مظلما، وبعضها مسرحا لأشغال، وبعضها عاجا بالحركة. وقرأنا في قلوبنا آية الكرسي..كانت السيارة التي تسبقنا تطير، لم نتمكن من ملاحقتها عن قرب رغم مساعي وحدت وإصراره الجلي ، وكنا نسمع أحيانا عواء عجلاتها يرتفع ، تالله لو لم أكن بمعية قاسم لجزمت أن العملية اختطاف مدبر، ولفتحت الباب ورميت بنفسي خارج السيارة.. وانتهوا بنا أمام محل، ودفعوا بنا دفعا إلى الداخل، أي أمر يراد بنا؟ وفي البهو سمعنا قاسما يقول -و لا يزال لاهثا من الجهد كأنما قطع المسافة