الصفحة 839 من 3036

الطابق أسفلنا، تنظران إلى الماء تحرثه السفينة في يسر، كانت البنت حاسرة الأطراف والنحر، فيما كانت الأم تغطي رأسها وعلى هيئة مستورة، وقلنا إن التأثير حاصل لا محالة وأن زمن الفتوة يمضي ببهرجه وما يستقر في الوجدان هو القيم التي يغدو بها المسلك قويما أصيلا.. في تلك الأثناء ارتفع صوت قاسم بالتسبيح، إذ تأمل الماء وما كان يقله من أثقال فاعتبر وذكر الله.. حظيرة من الشاحنات والعربات والخلق والمتاع، ومع ذلك كان المركب يجري بلا عَنَتٍ.. وقاطعتنا باخرة أخرى، هكذا الحياة صعود وهبوط ، والحظوظ والمصائر في غضون ذلك تتغير.

أول من قابلت هذا الصباح سعد، جاء قاسم يسير به إلي في الغرفة حيث كنت أتهيأ للخروج ، ورفعت عيني في الشخص ولم أتحرك ، لم يخطر لي قط أنني بإزاء سعد. بدا لي شابا منتفخ الأوداج يمكن أن يكون أي أحد إلا سعدا.. وسمعت قاسم يسألني هل عرفته؟ هززت رأسي بالنفي، وسارع قاسم يقول إنه سعد.. وفتحت ذراعي أحضنه، قلت له لقد تغيرت ، إنك سمنت، رجعت من العراق منفوخا ، لقد زودوا لك العبارة يا أخي سعد..وجلسنا ورحت أسأله عن العراق.. الجرح الذي لن يندمل.. وبسرعة وضعني في المشهد كما يقال، وفهمت منه أن التفاقمات تتراكم يوما عن يوم وأن الانفجار الذي سينتهي بتفكيك اللحمة وتهزيل الكيان وتحويله إلى سلطنات آت لا محالة.. فالأعداء يرتبون لما يشاؤون، ولا راد لمشيئة الله. حين تسمع مثل هذه التوقعات يتملكك الابتئاس. كيف تتوصل الأمة إلى مستوى تصلح به حالها؟ أمثال النورسي أفنوا أعمارهم من أجل أن يرسموا لنا معالم لطريق تخرجنا من الحضيض، متى يتحقق أمل الأفذاذ من هذه الأمة في النهضة الحق والانبعاث الصدق؟

غادرني سعد للسلام على أم سعد، ورأيتني أعثر على أسناني، لقد ظلت معي، في حقيبة الحلاقة، طيلة الرحلة، دون أن أفكر في البحث عنها هناك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت