فهرس الكتاب
الهدوء يشمل الأفق، لا ريح ولا حر، إلا طائر النورس يحلق فوقنا كأنما يحتفي بمقدمنا، أو كأنما أوكل إليه أمر مرافقتنا والسهر على سلامتنا إلى أن نبلغ مرفأنا. جلس العابرون على جبهة الباخرة، في الطابق الأعلى، يريدون أن ينالوا حظهم من المتعة لأن عمر الرحلة قصير، وبعضهم كانوا ينتظرون بما يشبه الشوق الوصول إلى الطرف المقابل.. والحياة في سائر أطوارها رحلة وانتظار مرافئ.. كانت الباخرة تجري وكنت اِخَالُها لم تتحرك بعد.. ها هي الضفة الأخرى تفتح ذراعيها شيئا فشيئا لنا. المكان الذي غادرناه منذ حين بات عنا أبعد من الذي نتوجه إليه. أشواط العمر أيضا تبعدنا عن عهود الطفولة وتقربنا من الجسر الذي يقلنا إلى عالم الأبدية. لم تقتض عملية شحن سيارتنا وصعودنا إلى متن الباخرة وانتظار الإقلاع أكثر من ربع ساعة. ريثما توقفنا نؤدي الصلاة وأقَلَّتْنا السيارة من جديد. ها هي محركات الباخرة بدأت تخفق بفتور محسوس.. وطلب إلي قاسم أن أشم هواء عليلا. وهارشت وحدت قائلا: إنك يا أخ وحدت لا تصلح إلا لقيادة مدرعة في ميدان قتال.. تبسم وقال أمنيتنا أن نكون قد خدمناكم.. لمفهوم الخدمة في ضمير النوريين معنى الثواب.. سأعرف في هذه الرحلة أمرا جعلني أذهل حينا عندما أعلم أن بهذه الديار أناسا يهبون فلذاتهم إلى الخدمة، وأن وحدت أحدهم .. يا لروعة البذل.. أدركت الآن فقط سر أن تكون جيوش الجهاد في عصر العثمانية عسكرا يعيش مرابطا في الثغور من غير ما زواج ولا أهل .. يا لله.. هذا هو المفتاح الذي ينبغي أن أفهم به مسلك النورسي ذاته حين يهب نفسه هو الآخر للخدمة.. يالله.. ياللعجب.. لقد سار وحدت في ذات الدرب الذي سار عليه النورسي.. لقد أصلت ثقافة بني عثمان أعرافها في التقوى والعطاء والمرابطة.. وخلقت الجو الذي يظهر مثل هؤلاء الأحبار.. ويشير وحدت إلى جهة ما ويقول: أنظر إلى تلك الأم وابنتها..وألتفت أنا إليهما، كانتا تستندان إلى حافة السفينة في