فهرس الكتاب
وحدت أخذته نوبة عنف حقيقية وهو ينعطف بنا إلى طريق زراعي لنصلي العصر بإحدى القرى.. هل كان يتعجل السير على ذلك النحو لأنه كان يعلم أن صلاة العصر أوشكت أن تتم، فهو لذلك يسارع لئلا يفوتنا أجر الجماعة؟ ومن بعيد بدا لنا المسجد لا يزال هيكلا في طور البناء، وانعطفنا ثانية في اتجاه آخر، كان هو أيضا في حالة بناء، المساجد تتزايد عددا، أليس في هذا دليل على أن زمن القرآن ينبعث وشبابه يتجدد؟ وصادفْنا خروجَ المصلين من المسجد، جمع قليل يغادرون الصحن، أبدوا سرورا لمرآنا وتصافحنا في أخوة ودخلنا ، ظل بعضهم يقف هناك حتى صلينا، كلا لم يكن الفضول هو الذي استبقاهم لكن المروءة اقتضت أن يمكثوا ليعلموا جليتنا، وهل لنا حاجة لشيء، لمبيت ؟ هذا هو خلق الإسلام؟ هذا ما أرساه محمد بن عبد الله ( من قيم في قلوب المسلمين. وجددوا تحياتهم لنا بالبسمة الريفية والمسكة الحارة على اليد.. وانطلقنا. مسافة كبيرة قطعها وحدت في التسبيح وترتيل القرآن، يفعل ذلك وهو يطير بالسيارة طيرانا لا هوادة فيه. كل العمران الذي اجتزناه في طريقنا أوروبي التصميم والمظهر والطراز. وفرغ وحدت من أوراده فطلبنا موسيقى فرد بلهجته الصارمة بالرفض قائلا بعربية غير بريئة من اللكنة: كلا.. تفكرة.. كان يريدنا أن نتركه يسترسل في جو الخشوع مليا. وسارع فريد يتلو آيات.. وجعلناها رجوما للشياطين.. وعاد الجو كما شاءه وحدت إلى حالة من الخشوع والرهافة الروحية الملموسة. سنركب بسيارتنا الباخرة ، وسنقطع ما بين العدوتين على الماء، وسنربح زمنا يجعلنا ندخل اسطنبول مغربا.. زرافات من نساء الريف يعدن من الحقول، على ظهورهن أحمال. ما أبهاها أبهة تظهر بها المرأة التركية حين تمشي في الشارع بزيها الأهلي، السروال ينتهي إلى منتصف صدرها، وهامتها شامخة، وخطاها متثبتة.. وقطعنا المسافة فوق سفينة كسفينة نوح فيها من كل زوج اثنين، مراكبنا وأشخاصنا وأمتعتنا، كان الوقت وقت الأصيل،