فهرس الكتاب
كنا نطعم الحلوى والفاكهة ونتحدث ومجموعة الطلاب المخيمين في هذا البيت يتابعوننا بعيون فيها الطيبة والأخوة، أكثرهم متخرج من الجامعة، وفيهم شاب يدرس في السنة الثالثة طب، ومنهم من يدرس الاقتصاد.. سيقضون هنا عشرين يوما لقراءة الرسائل.. وسألتهم عن البحر. تبادلوا النظرات، وتضاحكوا، وقالوا إنهم لا يذهبون إليه.. ولحق بنا أبو فرقان وابنه فرقان، طفل مفعم بالحيوية والبراءة في عينيه إشعاع بهيج لغد متوهج. وسألتهم عن سبب مجيئه (وكنا تركناه في المزرعة ) قالوا جاء بالخوخ. قلت لِمَ؟ قال قاسم ألم تطلب خوخا؟ مرة أخرى أدركت خطأي، نسيت أننا في ضيافة النوريين، وأن مجرد الإيعاز وحده يتحول إلى طلب منفذ وفي الحال.. وبالفعل فسأتبين هذا المساء شيئا من هذه الحقيقة..
الواقع أنني لم أطلب خوخا، ولكن أذكر أنني - ثاني يوم وصولي، وأنا أتناول الطعام بمعية قاسم- سألته -وقد وضعوا أمامنا الفاكهة- عن لون كنت أكلته في رحلتي إلى بارلا منذ عامين، له طعم المشمش ولكنه أكبر، قال الخوخ؟ قلت أجل الخوخ.. لا لأنني لا أعرف الخوخ، فخوخ بلادي من أشهى ما يؤكل في الدنيا، ولكن اعتقادا مني أن اسمه الخوخ. وانطوى حديثنا. وها أنا ذا أرى سؤالي ذلك يتحول إلى إنجاز يكلف هذا النوري أن يرتحل ورائي وعلى كتفه صندوق مليء بالخوخ الطازج المجني الساعة من أشجاره. أية كرامة هذه ؟ أية خدمة؟ هل تذكرون من هو أبو فرقان؟ هو ذلك العسكري الذي عانى من داء الصفار وعجز الطب عن شفائه إلى أن سقاه أحد الأشخاص ممن تعرف عليه في المستشفى نقيع الحنظل، فنزف سائلا كبريتيا، وعوفي من حينها، وبهت الأطباء.. زكَّى الله روح فرقان وأقَرَّ بِهِ عينَ أبيه.