فهرس الكتاب
الإبليسية سورا، وتبارزوا في تعمير الحياة بما يبقى ويفيد ويرتقي بالإنسان أكثر فأكثر إلى مقام الاستخلاف، فماذا نفتقد من أحمد فيضي يا ترى؟ وقال فريد قاطعا قراءته: عجبا كأن المرافعة تخص ما يجري اليوم في بلادي المغرب. في تلك الأثناء قام طالبان ووزعا نسخا كي يتسنى لبقيتهم أن يتابعوا، فقد كانت قراءة فريد بالعربية. ورأيتهم رأسا دسوا عيونهم في الصفحة، هؤلاء الفهود يريدون أن يتشربوا روح الرسائل في كرعة واحدة، وما زال بعضهم يسدد نظره ناحية فريد، لا شك أنهم كانوا يلمسون في صوته وفي بيان العربية سحرا يسوغ لهم أن يستمعوا إلى تناغيمه. وقالت لي ابنتي جـ وهي تسمع صوت الكاسيت: إنها تسمع موسيقى لصوت الابراهيمي لم تسمعها في صوت أحد قط. وحكيت أنا لصنغور ما قال الابراهيمي في بعض أحاديثه المذاعة عن الفاتحين المسلمين قال: وفيهم أولو بقية من الصحابة.. وقلت أنت يا صنغور من أولي بقية.. وراح فريد يقطع قراءته معربا عن اندهاشه من قوة دفاع هذا المحامي النوري الفذ.هل نسيت يا فريد أن القرآن والإيمان كانا الروح التي تشحن هذه النبرة المدهشة؟ ومضى فريد في القراءة، وتحول صوته الآن تماما إلى صوت مرافع حقيقي، يرتدي الزي ولا يني يموِّج عينين ملتهبتين في الهيئة والحضور، كانت يداه تسددان جهة القاضي، وكانت القلوب تنعى هذه المكابرة التي يواجه بها هذا المحامي المتهور قواعد النظام ويتطاول على معهود الوقار والآداب، وبعض القلوب كان يزداد نبضا وتراقصا، إذ كان يسمع صوت الحق يعلو دون أن تروعه المظاهر والبروتوكولات المفتعلة. توقفت الحركة في القاعة، حتى صوت فريد اختفى، جلال الأحوال تتغير به الحقائق، لسنا الآن في قاعة، ولا نحن في حضرة صنغور، ولا أنا يجاورني ابن صلب لفيضي في الستين، نحن الآن في برزخ، روح النورسي التي تحولت إلى رفيف كرفيف ذلك السرب من الفراش المعلق في زجاج، الزجاج المعلق بدوره في قلب الجدار، تسير بنا إلى أين؟