فهرس الكتاب
وشقشق طائر بصوت إنسي، وقلنا ما اسم هذا الطير؟ قالوا مارتي.. ومضى الحديث يتحول بنا من غرض إلى آخر. ثم طلب إلينا أن نمر إلى درس الأربعاء يعطيه الشيخ صنغور ، وجدنا القاعة حافلة بالطلاب، صافحناهم وسارعوا بالانحناء على أيدينا، هناك رجال بلغوا مبلغا من السن، والأغلبية فتيان، وهناك أكثر من طفل، أرواح الجميع تطفح بالتوق إلى الرَّيِّ الروحي الذي يذهب عن النفس عطشها الجِبِلِّي. وجاء جودت بكتاب الشعاعات للشيخ ، وقال لنا قاسم إن من الحضور من نذر عمره كله للخدمة، وبعضهم نذر مدة يقضيها بعد التخرج في الخدمة ثم يغادر المدرسة إلى حيث يواصل حياته العادية. وأخذ فريد مرة أخرى صورة مع الطلاب وقد جلس بينهم في حلقة. بعد ذلك ناوله الأستاذ كتابا واختار له نصا من دفاع أحمد فيضي، وأخبرنا الأستاذ بأن هذا الرجل الذي يجلس على يميني هو ابن المحامي فيضي، والتفت إلى الرجل استبين ملامحه، هو في الستين، نظارته البيضاء تزيد من وقاره، واحتقان خفيف في أسفل عينينه، وهدوؤه، وصمته الباطني تدل جميعا على تنسك إرادي يحتمي به هذا العَقِبُ الصالحُ. وشرع فريد يقرأ نص المرافعة التي دافع بها المحامي عن الأستاذ النورسي، وتصورت ذلك المحامي يقف أمامي، ورحت ألبسه ملامح هذا الابن الذي يجاورني والذي كان يضع جاكيتته في حجره ويتابع صوت فريد المجلجل بكلمات صنعتها موهبة والده فيضي منذ كذا عقد..يا سبحان الله، لا شيء يزول من هذا الوجود، غاب الأب ولم تغب كلماته، بل لم تغب شخصيته، وهذا هو في صورة خلْقٍ جديد يجلس إلي وأسمع صوته، لو ركبنا العناصر لتحصلنا على الشخص حقيقة غير تَوَهُّمِ، أفكاره مستقرة في الورقات التي كان فريد يقرؤها ، والهيئة والسمة في شخص وملامح الابن، والقضية التي كسبها يومئذ بتنزيل العقوبة إلى رقم بسيط، قد كسبها اليوم جيل من المحامين الذين التزموا تعاليم القرآن العظيم وارتبطوا بمحبة محمد ( ووضعوا بينهم وبين سفاف الزيف