فهرس الكتاب
إلى الله وإلى ملكوته.. ثم استطرد فقص شيئا من ماضيه، قال كان عصمت أينونو فتح معاهد في القرى لنشر الإلحاد، لكن الأستاذ النورسي قال لي إنك وإن كنت في بعض هذه المعاهد اللادينية إلا أن رسائل النور ستتحول بكل ما تعلمت إلى عبادة. وصمت صنغور لحظة وعاد ثانية: أول ما تخرجت تخرجت لأنشر الإلحاد، لقد كان الاختلاط وكنا نترقب حصول لواحقه من الإباحية وغيرها، وكان القرويون ينظرون إلي كإنسان بغيض ويقولون ياحسرتاه جاء هذا المدرس لإفساد أبنائنا..ثم تبين لهم فيما بعد أننا غير ذلك، ولما رأى أولئك القرويون أننا صرنا ندفع الثمن على يد الأمن ونتعرض إلى المتابعات القضائية أدركوا أن حكمهم علينا كان غير واقعي. وصمت صنغور مليا كأنه كان يقوِّمُ تجربة بكاملة دفعها السياق إلى ذهنه، ثم راح يقول: ربما كنا في أول الأمر نعتقد أننا سننقذ الأمة بطورانيتنا.. قال ذلك وصيف من بسمة يرتسم على شواربه الثلجيتين.. كنا نتابع حديث الشيخ، وربما استرجعنا أحداثا غامضة مرت بها قافلة هؤلاء الطلائع ممن رادهم النورسي وأرسى بهم دعائم الانبعاث. كان الارتياح يعمنا، هذه السكينة التي تشمل صنغور الآن، وهو متكئ على يمينه، يحادثنا بجانب من نظره، بصوت موزون كأنه عقرب الساعة في دورانه الرتيب، هي نفسها السكينة التي ظلت تفشيها في الفئات رسائل النور طيلة تلك الأزمنة التي كان الخناق يشتد فيها من حول الإسلام. إنها سكينة انتصار الحق على الباطل. لم يفعل النورسي شيئا غير أنه سارع بالعلاج الطبيعي إلى المصاب، أشبه بمن تلم به أزمة قلبية، ويكون إلى جواره طبيب في أمراض القلب، فبالدلك والإسعاف اليدوي يستنقذه ويعيد إليه البسمة، ثم يخط له بعد أن يكون الخطر ابتعد، وصفة، فيجد ذلك المصاب منذئذ عافيته، وتصبح أزماته السابقة مجرد ذكرى بعيدة، لا تثير لديه إلا الابتسام والاستغراب.