الصفحة 887 من 3036

تنبعث من صنجات النحاس. السمك يسبح ورأسه خارج الماء، كلا إنه يتغنى، وها أنغامه تنتهي إلى سمعي، وها المشهد يتشنج جراء وقع الكلمات وهي تنفذ في أوصال الروح كأنها السهام. لم أصدق أنني على اليابسة، المكان عائم فكأنما نحن على ظهر سفين. وانطفأت الشمس، كأنها روح غادرت الجسد إلى حيث المجهول. وانقدحت أنوار صنعت غروبا آخر جميلا لكنه محدود، الغبش أصبح لونا من ديكور المشهد، ومصابيح الكهرباء أشعت بنورها من قلب الموج، تدبير سحري يكفل لأسراب الحوت بعض الأنس. وزادت غربتي في بحر الصفاء هذا، وتأوه فريد أكثر من مرة ثم انفجر يبكي، لم تتحمل روحه مشقة عبور العتبة المشعة فانتكس وانهار، هو من أرض الرمل، يحمل في روحه حرقة لا يطفئها إلا زَخُّ العروج. ولبثنا على حال من السهوم والخدر، كأننا شربنا أقراصا دست لنا في الكؤوس، وتململ فريد في مقعده، ثم قام ونزع معطفه، وتقدم من النافذة ففتحها، كان المكان مكيفا والأمسية منعشة فما باله يطلب النسيم؟ شاعر متهور ولابد من الغض عنه غضا جميلا، وفي لحظة ما رأيناه يضع رجله على المقعد ويثب إلى حاف النافذة، ثم رأيناه وفي سرعة البرق يلقي بنفسه صوب الأمواج.. وهببنا مروعين، ونَدََّتْ عن الجالسين صرخةٌ جماعية كأنها الرعد، وسارعوا جميعا إلى الجدار الزجاجي ينظرون ما ذا حدث؟ أكثر من صوت ردد انتحار انتحار. ووثبت إلى النافذة لألحق به وأستنقده، واعترضتني الأيدي وشملتني أصوات من كل جانب، كنت أكافح دون جدوى من أجل أن أفلت من تلك الأيدي التي تمسك في عنف بي، ورحت أصرخ ملء أعماقي أتركوني، دعوني، إنه حي ولابد أن نستنقذه، وبقوة لم أستطع مقاومتها رأيتهم يجرجروني، وتطلعت في الوجوه فشاهدت فارسا في طليعة من تولى سحبي، كان مهتاجا، وكان مقروحا لكنه كان جَلْدًا كأنه في ساحة قتال يفقد أصحابه الواحد تلو الآخر. ها قد عراه الآن شحوب انطمست به معالم وجهه الأصلية، ورأيت من هناك قاسما يمسك رأسه في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت