الصفحة 888 من 3036

يديه ويداوم على قرع الجدار بجبهته. ألقى بي فارس في ركن القاعة، وحاولت أن أنظر إلى ما حولي، كان هناك جدار متراصٌّ من الناس يحول بيني وبين البحر، ونهضت وعلوت طاولة، وكنت أبكي وأعول، لكن بكائي كان يضيع في الضجة، ورأيت أكثر من واحد يلقي بنفسه إلى البحر بعد أن تخففوا من ثيابهم، كانت الأصوات توجههم والأذرع تشير إلى الناحية التي تكون ابتلعت فريدا. كان وجه قاسم قد اختفى تحت واجهة من سائل قاني غمره وتقاطر على صدره، وتردد صوت سيارة الإسعاف وازداد المكان حدادية، ونزل أفراد من الحماية المدنية، وبسرعة راحوا يخرجون الناس ويتأهبون للغطس، وساقوني إلى الساحة وطرحوني منهكا لا حيلة لي ولا قدرة على فعل شيء، إلا أن أنوح وأنوح، تلك الموائد التي كانت منذ دقائق مسرحا للأنس هجرت، الجميع انزووا في طرف الساحة وراحوا يراقبون بذهول، بعد وقت غير طويل رأيتهم يحملون نعشا نشروا عليه غطاء، وأرسل الحضور صيحة كأنما كان الفقيد يمت بصلة القربى والنسب لسائر من كان حاضرا. وطرحوا النعش في قلب الساحة وتقدمت الجموع تريد أن تكشف عنه. وتصدى أحد الأعوان فتسمرت الأقدام في مواضعها، وتحاملتُ على نفسي فقد خانتني قواي فسقطت، ورحت أتساحب فوق الأرض، وأمد يدي ناحيتهم كي يوصلوني إلى الجثمان، لم يغب عنهم أنني أجنبي، لكنهم منعوني من الاقتراب، والتفت أبحث عن فارس وقاسم في الزحام دون جدوى، وفي لحظة ما رأيت الصف ينشق، وسمعت صوتا ميَّزْتُه في الحين، إنه صوت صنغور وقد بدا من التهاب نبرته أن الشيخ يقبل وقد استبدت به حال من الفتنة جعلته يرسل دمدمة صوتية لا قبل له بها. كان الصوت يمضي صاخبا، أحيانا يختنق، وأحيانا أخرى يعلو عنيفا حتى لتخشى على الشيخ من جراء تلك الحال سوءا. وانتهى إلى منطقة النور من الساحة واتضح لي شخصه أكثر، كان يلبس تلك العباءة التي ورثها عن الأستاذ، وكان يمسك في يده عصا، ورأيته يتخطى المسافة في عجل ويقف على النعش، ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت