فهرس الكتاب
رأيته ينحني ويكشف عن وجه الفقيد، وتحركت الأقدام ناحيته لكن الأعوان اعترضوهم فجمدت الأقدام من جديد وساد الصمت، وتركزت عينا الشيخ في الوجه الغائب أمامه، من ساعة كان فريد يرتل، وكانت الأسماع تتابعه بمتعة، وكان لا يزال يرفل زاهيا بذات الدراعة التي يرتديها الشيخ صنغور الآن. قضى الشيخ حينا غير قصير وهو منحن، مركوز النظر في الملامح المغمضة أمامه، ثم نهض وتأخر خطوات وقال الصلاة يرحمكم الله. ليس هناك من أحد إلا انضم إلى الصفوف، تلك الحسناء التي منذ ساعة كانت تدخن سيجارتها وتداعب أطرافها الحاسرة بأناملها، سارعت فأطفأت سجارتها ورسمت حركة التكبير وسوت موقعها في الصف، وذلك الشاب الذي كان غارقا في اللحن، سابحا في عيني رفيقته قد لفظ من بين فكيه حبة العلك واكتسب فجأة وجهه مسحة من ألم وراح يقيم التكبيرة بخشوع لا مراء فيه، ورجال الإغاثة نزعوا حوذاتهم وتقدموا الصفوف، والنوادل ألقوا بمناشفهم وانضموا للصفوف، وانتبه الناس إلى أن الجهاز كان لا يزال يدور بلحن لم يعد أحد يجد فيه مذاقا، فسارع القيم على المطعم وأطفأه، وكبر الشيخ وراح يتلو، وفجأة تحلحل النعش، وعرا الناس رعب خارق حين رأوا رأس الفقيد ينتصب، وتراجعت الأقدام في اندفاع مهول، والحسناء صاحبة السجارة تعثرت وتحاملت على نفسها وجرت مولولة، و.. خرج من بين الصفوف طبيب وانحنى على ذراع فريد يزن ضغطه، والتفت إلى الناس وصاح إنه حي..وسرت رعدة في الساحة، وعمت الحاضرين عن بكرة أبيهم، ليس منهم إلا من اجتاحته الهزة كأنما أوصلوه بشحنة تيار عال ، واستغرق الجميع ذكر جرت به ألسنتهم، حي.. الله حي.. وفي لحظة من اللحظات بادرت الحسناء فرشقت الشيخ بزهرة، وتتابع الرشْقُ، وانغمر الشيخ وصاحبه بكثيب من تيجان الورد، وتحرك بنا وقد تهدج صوته غبطة وتأثرا، وعَلِقَتِ به الأزهار، غشيت رأسه وكتفيه وظهره وأطرافه وحذاءه، ودخل القاعة واحتل مقعده وراح يطلب حاجته.