الصفحة 997 من 3036

إن حديث بديع الزمان الأدبي يكشف لنا عن أمور، منها هذا الأسلوب البديع الذي يعتمد التمثيل في تقريب الحقائق. فأدب المدنية الحديثة كبكاء اليتيم الذي فقد أبويه، فحزنه مرير قاتم مدمر. وأدب القرآن كإنشاد العاشق العفيف، حزنه قصير الأمد شفاف، وغناؤه ملؤه الشوق والأمل.

والأدب والبلاغة ، من حيث تأثير الأسلوب، إما يورثان الحزن وإما الفرح. وهذا ما سماه القدماء من نقادنا وفلاسفتنا حالتي القبض والبسط.

والحزن قسمان: حزن مظلم كئيب مرده الضلالة، وناشئ عن فقدان الأحبة، وحزن سام متعال، ناشئ عن فراق الأحبة ولوعة الاشتياق. وهذا الحزن هو الذي يورثه القرآن الهادي المنير.

فإذا نحن نظرنا إلى الحزن الذي يسود أدبنا المعاصر، وجدنا معظمه حزن المدنية المعاصرة، لا حزن القرآن الكريم،إنه حزن مدمر، مرتبط بالغربة في الوجود، وبالسأم العبثي.

والفرح أيضا قسمان: الأول يدفع النفس إلى شهواتها، وهذا هو شأن آداب المدنية ، من أدب مسرحي وسينمائي وروائي.

أما الثاني فهو فرح لطيف بريء نزيه، يكبح جماح النفس ويلجمها، ويحث الروح والقلب والعقل على المعالي، وعلى موطنهم الأصلي، على مقرهم الأبدي، وعلى أحبتهم الأخرويين. وهذا الفرح هو الذي يمنحه القرآن المعجز البيان.

5 ـ التنوير:

عند ذلك، وبعد كشف تلك الحقائق، ينطلق بديع الزمان من التنور إلى التنوير، أي من الاطلاع على ما عند الغرب والاستفادة مما عسى أن يكون فيه من خير، إلى دعوة الغرب نفسه إلى التزود من آداب القرآن، لأنه أدب كوني لا تحدّه حدود، ولأنه أدب يعبر عن آدمية الإنسان، في الصورة المثلى. وهذا معنى من المعاني التي تستنبط من إشارة الأستاذ إحسان قاسم إلى أن بديع الزمان صار جاعلا جميع العلوم الشرعية المخزونة في ذهنه مدارج للوصول إلى إدراك معاني القرآن الكريم وإثبات حقيقته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت