فهرس الكتاب
أ. د. حسن الأمراني *
تقديم
ليس أكثر تضييقا لمفهوم الشعر من التعريف الذي قدمه قدامة بن جعفر"260-327هـ"، ثم صار من بعد كأنه سيف مصلت.
قال قدامة1:
حد الشعر: أنه قول، موزون، مقفى، يدل على معنى.
إن هذا التعريف يهتم بالأعراض الظاهرة للشعر، ولكنه يغيب الجوهر، أو لنقل تعريف دقيق للنظم، إلا إلا أنه ليس تعريفا جامعا لمفهوم الشعر.
وبالرغم من شيوع تعريفه هذا، إلا أن الشعراء والعلماء بالشعر لم يسلموا به، ولم يقفوا عند هذا الحد، يستوي في ذلك القدماء والمحدثون.
ومن أقدم النصوص الدالة على ما نحن فيه، نص أورده عبدالقاهر الجرجاني، معزوًا إلى حسان بن ثابت"رضي الله عنه"، قال:
"رجع عبدالرحمن بن حسان إلى أبيه حسان وهو صبي، يبكي ويقول:"لسعني طائر"فقال حسان:"صفه يا بني"فقال:"كأنه ملتف في بردي حبرة"وكان لسعه زنبور، فقال حسان: ابني شاعر ورب الكعبة""2"
لقد شهد حسان لابنه عبد الرحمن بالشاعرية، أو بقوة الطبع والذهن المستعد للشعر، كما يقول عبد القاهر، لا لأنه أتى بكلام موزون مقفى، بل لذلك التشبيه الشعري الجميل.
إن الوزن والقافية لا يشفعان لمن لم يمتلك روح الشعر، فلذلك حين أُنشِد حسان شعر عمرو بن العاص قال: ما هو بشاعر، ولكنه عاقل. 3 ولذلك أيضًا قال ابن سلام (139-231) عن بعض ما رواه ابن اسحق في السيرة من منظومات:"وليس بشعر، إنما هو كلام مؤلف معقود بقواف"4
ومعلوم أن حسان بن ثابت أقدم من قدامة، ثم إنه في الشعر أعرق، وبالشعر أعرف.
وقد عالج فلاسفة المسلمين هذه القضية بعمق، فمن هؤلاء الفارابي الذي يقول:"قوام الشعر وجوهره عند القدماء، أن يكون قولا مؤلفا مما يحاكي الأمر، ثم سائر ما فيه فليس بضروري في قوام جوهره، وإنما هي أشباه يصير بها الشعر أفضل، وأعظم هذين في قوام الشعر هو المحاكاة.. وأصغرها الوزن"5