فهرس الكتاب
ويفرق الفارابي بين القول الشعري والقول الخطبي، ويقول:"وكثير من الشعراء الذين لهم أيضًا قوة على الأقاويل المقنعة يضعون الأقاويل المقنعة ويزنونها، فيكون ذلك عند كثير من الناس شعرا، وإنما هو خطبي، عدل به عن منهاج الخطابة"6
وبالرغم من أن ابن رشيق"390-456"يأخذ في بعض كتابه بقول قدامة في حد الشعر بعد ما يضيف إليه عنصرا جديدًا هو القصد والنية (7) إلا أنه يعرّف الشعر في مكان آخر من نفس الكتاب تعريفا هو أقرب إلى جوهر الشعر فيقول:"وإنما سمي الشاعر شاعرا لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره، فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استظراف لفظ وابتداعه.. كان اسم الشاعر عليه مجازًا لا حقيقة، ولم يكن له إلاّ فضل الوزن، وليس بفضل عندي مع التقصير"8
ولم يبعد ابن خلدون عن هذا القول حين قال:"وقول العروضيين في حده إنه الكلام الموزون المقفى ليس بحد لهذا الشعر الذي نحن بصدده ولا رسم له، وصناعتهم إنما تنظر في الشعر باعتبار ما فيه من الإعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصة، فلا جرم أن حدهم لا يصلح له عندنا، فلا بد من تعريف يعطينا حقيقته من هذه الحيثية، فنقول: الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء منها في عرضه عما قبله وما بعده، والجاري على أساليب العرب المخصوصة"9
وواضح أن ابن خلدون يبدأ ببلاغة الكلام والاستعارة والأوصاف، قبل أن ينتقل إلى العناصر الأخرى كالوزن والروي.
ويفرق النقاد والفلاسفة، في هذا المضمار، بين النظم والقول الشعري، إذ قد نجد نظما لا شعرية فيه، كالقول الخطبي المنظوم، مما أشرنا إليه آنفا في قول الفارابي، وقد نجد أقاويل شعرية وان خلت من عناصر النظم."يراجع حازم القرطاجني في المنهاج أيضًا".