فإن عمره إذ ذاك كان نحوًا من إحدى وعشرين سنة مع أنه لم يسبق له قبل ذلك اشتغال بالعلم يترتب عليه التأهل للجلوس في مجلس والده الذي هو بالمقام الأعلى من كل علم ومعرفة وإلا لم يستبعدوا ذلك منه، وقد ذكر اليافعي في تاريخه أن ابن سينا فرغ من العلوم العقلية والنفلية وعمره ثمان عشرة سنة مع ما قيل في ابن سينا من القدح والمدح، فتقرر الأمر على أن يعقدوا للمذكور مجلسًا يكون فيه أكثر علماء مصر من سائر المذاهب أو كلهم فحضروا، وشرع المذكور في تقرير العلوم عن ظهر قلب، وفي ظني أن كلامه كان شروعًا في تفسير القرآن، فقرر في ذلك المجلس من أنواع العلوم وأصناف المعارف ما بهر عقولهم وحير البابهم في ألفاظ لم يسمع السامعون في زمانهم أفصح ولا أبلغ ولا أمتن ولا أجزل ولا أجمع منها، فاذعنوا له من ذلك الآن وعرفوا أنه أحق منهم ومن غيرهم من علماء مصر وغيرها بمجلس أبيه، ولم يزل من ذلك الآن الصدر المقدم في كل مجلس جلس فيه من مجالس علماء الإسلام، وعلماء أركان الدولة الإعلام إلى أن توفاه الله تعالى إلى ما منحه الله تعالى، فضاهى أباه في حاله ومقاله وحذا حذوه في العلوم ونسج على منواله وتابعه في أخلاقه الحميدة وآثاره الصالحة حتى قيل"ما أشبه الليلة بالبارحة"وقد أشار رحمه الله إلى ما منحه الله من مراتب الكمال في هذا السن فقال:
تقاصر عنه فحول الرجال ... وصلت وسني عشرون ما
ومجدي يزيد بقومي وآلي ... فما ابن ثمانين إلا الوليد