وإنما ذكرت كلام العلائي هذا لاشتماله على تقرير حال الشيخ - رضي الله تعالى عنه وإن اشتمل على غض قليل من مقامه لأن الفاضل لا يخلو من حاسد مناكد، ولا بد لكل من تولى القضاء من راض منه وساخط، وكذلك تباعد أكثر السلف عن تولية القضاء كأبي حنيفة، وسفيان الثوري، ويحيى بن يحيى النيسابوري وأمثالهم، فمثل ذلك لا يكون جرحًا في مثل صاحب الترجمة مع إطباق الناس على تعديله، واعتقاد تقديمه وتفضيله، وقد كان - رضي الله تعالى عنه - يتأسف على تولية القضاء. قال الشعراوي: قال في مرة إنها كانت غلطة. فقلت له: ما هي? فقال: لي توليتي للقضاء صيرتني وراء الناس مع أني كنت مستورًا قال: فقلت له: يا سيدي إني سمعت بعض الأولياء يقول: كانت ولاية الشيخ للقضاء سترًا لحاله لما شاع عند الناس من صلاحه وزهده وورعه ومكاشفاته. قال: فقال: الحمد لله الذي خففت عني يا ولدي. قال الشعراوي: وكانت أول شهرة يعني بالصلاح والولاية في أيام السلطان خشقدم، وذلك أنه كان في باب النصر رجل مشهور بالصلاح، فمر عليه السلطان خشقدم، فوقف عليه يزوره، فقال للسلطان: إذا كان لك حاجة. فاسأل فيها الشيخ زكريا، فركب السلطان فزاره، فأسرعت الناس إليه، فمن ذلك اليوم اشتهر بالصلاح. وقال الشعراوي أيضًا: أخبرني يومًا أن الخضر عليه السلام كان يجتمع بسيدي علي الضرير النبتيتي، فسأله يومًا عن أحوال علماء العصر، فصار يقول: ونعم منهم، فسأله عني فقال: ونعم منه إلا أن عنده نفيسة، فقلت: يتوب منها، ولم يبين له الخضر ذلك. قال: فتنكرت على أفعالي، وصار عندي تطير من جميع أفعالي، فأرسلت أقول لسيدي علي: إذا رأيته مرة أخرى، فاسأله يبين النفيسة لأتوب عنها، فأتاه فأخبره. وقال: إنه إذا كاتب الأمراء في حاجة يقول لقاصده: قل هذا الكتاب من الشيخ زكريا، فيسمي نفسه شيخًا.