من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الجنة واستقرارهم فيها الذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة، فإذا كان لا شك أن ذلك من قيلهم في أوله كما هو من قيلهم في وسطه وما يتلوه، فمعلوم أنه محال يقولوا لأول رزق رزقوه من ثمار الجنة هذا الذي من رزقنا من قبل هذا من ثمار الجنة، وكيف يجوز أن يقول لأول رزق من ثمارها ولما يتقدمه عندهم غيرها هذا هو الذي رزقنا من قبل، أن يلبسهم ذو غية وضلال إلى قيل الكذب الذي قد طهرهم الله منه، أو يدفع دافع أن يكون ذلك من قيلهم الأول رزق يرزقونه من ثمارها، فيدفع صحة ما أوجب الله صحته من غير نصب دلالة على أن ذلك في حال من أحوالهم دون حال، فقد تبين أن معنى الآية: كلما رزقوا من ثمرة من ثمار الجنة في الجنة قالوا هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا"."
قلت: أصحاب القول الأول يخصون هذا العام بما عدا الرزق الأول لدلالة العقل والسياق عليه، وليس هذا ببدع من طريقة القرآن، وأنت مضطر إلى تخصيصه ولا بد بأنواع من التخصيصات، أحدها: أن كثيرا من ثمار الجنة وهي التي لا نظير لها في الدنيا لا يقال فيها ذلك. الثاني: أن كثيرا من أهلها لم يرزقوا جميع ثمرات الدنيا التي لها نظير في الجنة. الثالث: أنه من المعلوم أنهم لا يستمرون على هذا القول أبد الآباد كلما أكلوا ثمرة واحدة قالوا هذا الذي رزقنا في الدنيا ويستمرون على هذا الكلام دائما إلى غير نهاية، والقرآن العظيم لم يقصد إلى هذا المعنى ولا هو مما يعتني به من نعيمهم ولذتهم، وإنما هو كلام مبين خارج على المعتاد المفهوم من الطيب، ومعناه أنه يشبه بعضه بعضا، ليس أوله خيرا من آخره، ولا هو مما يعرض له ما يعرض لثمار الدنيا عند تقادم الشجر وكبرها من نقصان حملها وصغر ثمرها وغير ذلك، بل أوله مثل أخره وآخره مثل أوله، هو خيار كله يشبه بعضه بعضا، فهذا وجه قولهم، ولا يلزم مخالفة ما نصه الله سبحانه وتعالى، ولا نسبة أهل الجنة إلى الكذب بوجه، والذي يلزمهم من التخصيص يلزمك نظيره وأكثر منه والله أعلم."انتهى."
أما قوله تعالى: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} يعني أنه أتوا بالرزق متشابها واختلف في معناه بناء على الاختلاف السابق، فقيل:
أن الثمار متشابهة في الخيرية والجودة فلا رذل فيها ولا رديء، وكلها خيار وعلى مستوى واحد من الخيرية واللون والطعم، فلا يكون فيها ما يكون في ثمار الدنيا من اختلاف الثمرة الواحدة، فبعضها جيد وبعضها دنئ ونحو ذلك.
روى ابن جرير عن الحسن في قوله: {مُتَشَابِهًا} قال: (خيارا كلها لا رذل فيها) وهو أثر حسن.