قال الإمام فخر الدين الرازى- رحمه الله تعالى:-
"هذه السورة الكريمة فيها إرشاد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق، وحسن الأدب: إما مع الله تعالى، أو مع رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو مع غيرهما من العباد، وهم على صنفين:"
لأنهم إما أن يكونوا على طريقة المؤمنين، داخلين في رتبة الطاعة، أو خارجين عنها وهم الفساق، والداخل في طائفتهم المسالك بطريقتهم، إما أن يكون حاضرا عندهم، أو غائبا عنهم فهذه خمسة أقسام:
أحدهما: يتعلق بجانب الله تعالى .
ثانيها: يتعلق بجانب الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
ثالتها: يتعلق بالفساق .
رابعها: يتعلق بالمؤمن الحاضر.
خامسها: يتعلق بالمؤمن الغائب.
وقد أرشد الله- عز وجل- عباده المؤمنين في كل مرة إلى مكرمة وفضيلة مع قسم من الأقسام.
فقال أولا: { ياأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله } ، وذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان لبيان طاعة الله تعالى؛ لأنها لا تعلم إلا بقول رسوله .
وقال ثانيا: { يا أيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى } وذلك لبيان وجوب احترام النبى صلى الله عليه وسلم.
وقال ثالثا: { يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا } لبيان وجوب الاحتراز عن الاعتماد على أقوال أهل الفسق؛ فإنهم يريدون إلقاء الفتنة بين المؤمنين.
وقال رابعا: { يا أيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من قوم } لبيان وجوب ترك إيذاء المؤمنين في حضورهم، والازدراء بحالهم.
وقال خامسا: { يا أيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا } لبيان وجوب الاحتراز عن إهانة جانب المؤمن من حال غينته، وذكر ما لو كان حاضرا لتأذى" [1] ."
المبحث الأول
إحصاء ما تشتمل عليه السورة الكريمة من الأوامر والنواهى
(1) - مفاتيح الغيب للرازى: 14/ 368 .