نظرا لما ذكر من أهمية علم أصول الفقه، واعترافا بفضل الله تعالى علىَّ أن جعلني تابعا لأهل الأصول، كان لزاما علىَّ أن أبحث عن التراث الأصولي المكنون، الذي خلفه لنا السابقون أولو الفضل ، للاستفادة من علومهم ولإخراج مكنون جواهرهم.
وقد وفّق الله عز وجل جامعة الأزهر إلى تبنّى تحقيق التراث الإسلامي - الذي ما زال معظمه مخطوطا يعلوه الركام - وإخراجه إلى النور، إسهاما منها في اتصال المنظومة المعرفية، وحفاظا على هذا التراث العظيم من الضياع .
وقد شرفني الله - عز وجل - بالمساهمة في تحقيق هذا التراث الشرعي، وذلك لإخراج سفر عظيم من كنوز أصول فقه الحنفية، وهو كتاب"الشامل"للعلامة أمير كاتب بن أمير عمر الفارابي ـ رحمه الله تعالى ـ المكنى بأبي حنيفة الصغير، وهذا الكتاب شرح وافٍ على أصول فخر الإسلام البزدوي - رحمه الله تعالى - وبتوفيق من الله - عز وجل - وقع اختياري على بابين من هذا الكتاب هما (باب حكم الأمر والنهى في أضدا دهما، وباب بيان أسباب الشرائع) .
ولاختيار كتاب الشامل بوجه عام، وهذين الموضوعين بصفة خاصة أسباب:
أولها: أن هذا الكتاب يعتبر بحق أكبر وأشمل مصنَّف في علم الأصول بصفة عامة، وفي أصول مذهب الحنفية بصفة خاصة، فمؤلفه- رحمه الله تعالى- جمع فيه كتب المتقدمين من مشايخ المذهب كالإمام الجصاص، والقاضي أبى زيد الدبوسي، وشمس الأئمة السرخسي - رحمهم الله تعالى- وغيرهم، وبالإضافة إلى ما تقدم، فقد أيد هذا الشرح بشرح من سبقوه على أصول فخر الإسلام البزدوى، مع المناقشة الموضوعية لأقوال شيخه، وأقرانه ومَنْ سبقوه من الشُرَّاح.
ثانيها: أن المكتبة الإسلامية بحاجة ماسَّة لمثل هذا السِّفْر العظيم، والذي يضم بين طياته بيان عملي لطريقة الفقهاء التي تمتاز بتخريج الفروع الفقهية على القاعدة الأصولية.