الصفحة 25 من 78

تعليم ولا دعاء إلى ذلك وإن لم يكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك بل يحتاج كثير منهم إلى سبب معين للفطرة مقولها وقد بينا أن هذا السبب لا يحدث في الفطرة ما لم يكن فيها بل يعينها ويذكرها ويقويها فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين يدعون العباد إلى موجب هذه الفطرة فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة عن مقتضاها استجابت لدعوة الرسل ولا بد بما فيها من المقتضى لذلك كمن دعا جائعًا أو ظمآن إلى شراب وطعام لذيذ نافع لاتبعة فيه عليه ولا يكلفه ثمنه فإنه ما لم يحصل هناك مانع فإنه يجيبه ولابد [1] .

وقال ابن القيم: ومعلوم أن إثبات الحسن والقبح العقليين لا يستلزم هذا ولا يدل عليه بل غاية العقل أن يدرك بالإجمال حسن ما أتى الشرع بتفضيله أو قبحه فيدركه العقل جملة ويأتي الشرع بتفصيله وهذا كما أن العقل يدرك حسن العدل وأما كون هذا الفعل المعين عدلًا أو ظلمًا فهذا مما يعجز العقل عن إدراكه في كل فعل وعقد وكذلك يعجز عن إدراك حسن كل فعل وقبح وإن تأتي الشرائع بتفصيل ذلك وتبينه [2] .

وقال في موضع آخر: ولا قيام إلا بالرسل فإذا كان العقل قد أدرك حسن بعض الأفعال وقبحها فمن أين له معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته والآية التي تعرف بها الله إلي عباده على ألسنة رسله ومن أين له معرفة تفاصيل شرعه ودينه الذي شرعه لعباده ومن أين له تفاصيل مواقع محبته ورضاه و سخطه وكراهته ومن أين له معرفة تفاصيل ثوابه وعقابه وما أعد لأوليائه وما أعد لأعدائه ومقادير الثواب والعقاب وكيفيتهما ودرجاتهما ومن أين له معرفة الغيب الذي لم يظهر الله عليه أحدا من خلقه إلا من ارتضاه من رسله إلي غير ذلك مما جاءت به الرسل وبلغته عن الله وليس في العقل طريق إلي معرفته فكيف يكون معرفة حسن بعض الأفعال وقبحها بالعقل مغنيا عما جاءت به الرسل فظهر أن ما ذكرتموه مجرد تهويل مشحون بالأباطيل والحمد لله [3] .

وقال في موضع آخر: وقد سلم كثير من النفاة أن كون الفعل حسنًا أو قبيحًا بمعنى: الملاءمة والمنافرة والكمال والنقصان عقلي، وقال: نحن لا ننازعكم في الحسن والقبح بهذين الاعتبارين

(1) - المصدر السابق (1/ 304 - 298) ,

(2) - مفتاح دار السعادة (2/ 117) .

(3) - المصدر السابق (2/ 117 - 118) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت