فهرس الكتاب
- 📄
وإنما النزاع في إثباته عقلًا بمعنى كونه متعلق المدح والذم عاجلًا والثواب والعقاب آجلًا فعندنا لا مدخل للعقل في ذلك وإنما يعلم بالسمع المجرد، قال هؤلاء: فيُطلق الحسن والقبح بمعنى الملاءمة والمنافرة وهو عقلي وبمعنى الكمال والنقصان وهو عقلي وبمعنى إستلزامه للثواب والعقاب وهو محل النزاع وهذا التفصيل لو أعطي حقه والتزمت لوازمه رفع النزاع وأعاد المسألة اتفاقية وأن كون الفعل صفة كمال أو نقصان يستلزم إثبات تعلق الملاءمة والمنافرة؛ لأن الكمال محبوب للعالم والنقص مبغوض له ولا معنى للملاءمة والمنافرة إلا الحب والبغض فإن الله سبحانه يحب الكامل من الأفعال والأقوال والأعمال ومحبته لذلك بحسب كماله ويبغض الناقص منها ويمقته ومقته له بحسب نقصانه ولهذا أسلفنا أن من أصول المسألة إثبات صفة الحب والبغض لله فتأمل كيف عادت المسألة إليه وتوقفت عليه والله سبحانه يحب كل ما أمر به ويبغض كل ما نهى عنه ولا يسمى ذلك ملاءمة أو منافرة بل يطلق عليه الأسماء التي أطلقها عليه نفسه وأطلقها عليه رسوله من محبته للفعل الحسن المأمور به وبغضه للفعل القبيح ومقته له وما ذاك إلا لكمال الأول ونقصان الثاني فإذا كان الفعل مستلزمًا للكمال والنقصان واستلزامه له عقلي والكمال والنقصان يستلزم الحب والبغض الذي سميتموه ملاءمة ومنافرة واستلزامه عقلي فبيان كون الفعل حسنًا كاملًا محبوبًا مرضيًا وكونه قبيحًا ناقصًا مسخوطًا مبغوضًا أمر عقلي بقي حديث المدح والذم والثواب والعقاب ومن أحاط علمًا بما أسلفناه في ذلك انكشفت له المسألة وأسفرت عن وجهها وزال عنها كل شبهة وإشكال فأما المدح والذم فترتبه على النقصان والكمال والمتصف به وذمهم لمؤثر النقص والمتصف به أمر عقلي فطري وإنكاره يزاحم المكابرة وأما العقاب فقد قررنا أن ترتبه على فعل القبيح مشروط بالسمع وأنه إنما انتفي عند انتفاء السمع انتفاء المشروط لانتفاء شرطه لا انتفاءه لا انتفاء سببه فإن سببه قائم ومقتضيه موجود إلا أنه لم يتم لتوقف على شرطه وعلى هذا فكونه متعلقا للثواب والعقاب والمدح والذم عقلي وإن كان وقوع العقاب موقوفًا على شرط وهو ورود السمع وهل يقال أن الاستحقاق ليس بثابت، لأن ورود السمع شرط فيه؟ ... [1] .
وقال في موضع آخر: الوجه الثاني والستون: قولكم الوجوب والتحريم بدون الشرع ممتنع؛ لأنه لو ثبت لقامت الحجة بدون الرسل والله سبحانه إنما أقام حجته برسله إلى آخره فيقال: لا ريب
(1) - المصدر السابق (2/ 44 - 45) .