الصفحة 28 من 78

فمعنى الآية والله أعلم بما أراد من كلامه: أن هؤلاء المشركين لما وقفوا على النار وعاينوها وعلموا أنهم داخلوها تمنوا أنهم يردون إلى الدنيا فيؤمنون بالله وآياته ولا يكذبون رسله فأخبر سبحانه أن الأمر ليس كذلك وأنهم ليس في طبائعهم وسجاياهم الإيمان بل سجيتهم الكفر والشرك والتكذيب وأنهم لو ردوا لكانوا بعد الرد كما كانوا قبله وأخبر أنهم كاذبون في زعمهم أنهم لو ردوا لآمنوا وصدقوا فإذا تقرر مقصود الآية ومرادها تبين معنى الإضراب ببل وتبين معنى الذي بدا لهم والذي كانوا يخفونه والحامل لهم على قولهم: {نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا} ، فالقوم كانوا يعلمون أنهم كانوا في الدنيا على باطل وأن الرسل صدقوهم فيما بلغوهم عن الله وتيقنوا ذلك وتحققوه ولكنهم أخفوه ولم يظهروه بينهم بل تواصوا بكتمانه فلم يكن الحامل لهم على تمنى الرجوع والإيمان معرفة ما لم يكونوا يعرفونه من صدق الرسل فإنهم كانوا يعلمون ذلك ويخفونه وظهر لهم يوم القيامة ما كانوا ينطوون عليه من علمهم أنهم على باطل وأن الرسل على الحق فعاينوا ذلك عيانًا بعد أن كانوا يكتمونه ويخفونه فلو ردوا لما سمحت نفوسهم بالإيمان ولعادوا إلى الكفر والتكذيب فإنهم لم يتمنوا الإيمان لعلمهم يومئذ أنه هو الحق وأن الشرك باطل وإنما تمنوا لما عاينوا العذاب الذي لا طاقة لهم باحتماله فظهر له عند العقوبة ما كان يخفى من معرفته بخطئه وصواب ما نهاه عنه ولو رد لعاد لما نهى عنه.

وتأمل مطابقة الإضراب لهذا المعنى وهو نفى قولهم أنَّا لو رددنا لآمنا وصدقنا لأنه ظهر لنا الآن أن ما قاله الرسل هو الحق أي ليس كذلك بل كنتم تعلمون ذلك وتعرفونه وكنتم تخفونه فلم يظهر لكم شيء لتكونوا عالمين به لتعذروا بل ظهر لكم ما كان معلوما وكنتم تتواصون

بإخفائه وكتمانه والله أعلم [1] . أهـ.

وقال ابن القيم أيضًا: أَفَمَنْ {زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ (( (( (( (( ، وقال: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [فاطر: 43] ، فأضاف التزيين إليه منه سبحانه خلقًا ومشيئة وحذف فاعله تارة ونسبة إلى سببه ومن أجراه على يده تارة وهذا التزيين منه سبحانه حسن إذ هو ابتلاء واختبار بعيد ليتميز المطيع منهم من العاصي والمؤمن من الكافر كما قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7] ، وهو

(1) - التفسير القيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت