فهرس الكتاب
- 📄
قال ابن تيمية: وَقَالَ الله: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} أَيْ: فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ مَنْ كَانَ غَافِلًا مَا لَمْ يَأْتِهِ نذِيرٌ وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ تَنَزَّهَ سُبْحَانَهُ عَنْهُ.
قال الأسْنَويُّ: في كتاب نهاية السول في منهاج الأصول: أما النقل فقوله سبحانه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ، فانتفاء التعذيب قبل البعثه دليل على أنه لا وجوب قبلها ... إلى أن قال:
فإن قيل عدم العقاب لا يدل علي عدم الوجوب لجواز العفو قلنا: المنفي صحة التعذيب لا جوازه؛ لأن قولنا: ما كان لزيد أن يفعل كذا فيه إشعار بذلك ولك أن تقول: هذه الآية تدل على إبطال حكم العقل مطلقًا؛ لأنها نفت التعذيب. وللمعتزلة هنا اعتراضات ضعيفة كقولهم: يحتمل أن يكون المنفي هو مباشرة التعذيب فإنه مدلول: {وَمَا كُنَّا} (( أي وقوعه في الدنيا ) )أو المنفي وقوعه قبل البعثة لا وقوعه مطلقًا فقد يتأخر للقيامة، أو الرسول هو العقل.
قال الشيخ بخيت المطيعي في حاشيته علي هذا الكتاب: حاصل استدلال الأشاعرة بهذه الآية أنه لو كان الحسن والقبح عقليين لا شرعيين لجاز العقاب علي مرتكب القبيح وتارك الحسن إذا كان تركه قبيحًا قبل بعثة الرسول؛ لأنه لا معني للقبح إلا استحقاق العقاب وجواز العقاب قبل البعثة منتفيٍ بقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} فإن معنى الآية: هذا ليس من شأننا ولا يجوز منا ذلك التعذيب ومثل هذا التركيب في مظان استعماله جاء في مثل هذا المعني، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} ، {لَاعِبِينَ} ، فكان المراد نفي الجواز إذ لو أريد نفي الوقوع لقال: وما نعذب، ويؤيده ما ذكره صاحب الكشاف أن معناه ما يصح منا صحة تدعوا إليها الحكمة أن نعذب قومًا إلا بعد أن نبعث إليهم رسولًا فيلزمهم الحجة. وأجاب المعتزلة وطائفة من الحنفية عن هذا الدليل بأن العذاب المفهوم في الآية هو عذاب الاستئصال في الدنيا كما عذب المتقدمون من مكذبي الرسل بدليل الآية الأخرى التي بعدها: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} ، فمعني الآية: وما كنا معذبين في الدنيا حتى نبعث رسولًا.
ورد الأشاعرة وأكثر الحنفية هذا الجواب بأننا نسلم ورود الآية في عذاب الدنيا لكن ذلك لا يجزي نفعًا فإن الآية لما دلت أنه لا يليق بحكمته ورحمته إيصال العذاب الأدنى وهو عذاب