الصفحة 50 من 78

وفي رواية لمسلم: قَالَ: لَوْلاَ أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} .

فإن قيل يحتمل أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الاستغفار تخفيف العذاب؟

كان الجواب: ليس ذلك صحيحًا؛ لأن الله أنكر علي النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الاستغفار مع أنه قبل استغفاره بمعني تخفيف العذاب.

قال القرطبي: قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] وهذه الآية نزلت بمكة عند موت أبي طالب، على ما يأتي بيانه. وهذا يفهم منه النهى عن الاستغفار لمن مات كافرًا. وهو متقدم على هذه الآية التي فهم منها التخيير بقوله: إنما خيرني الله، وهذا مشكل.

وهنا سؤال للإجابة علي هذا الأشكال: هل آية التوبة السابقة مكية أم مدنية؟

أعلي شيء يعرف به هذا الأمر هو سبب النزول. ولذلك قال القاسمي: هذه السورة مدنية - سورة التوبة- إلا هذه الآية فقد نزلت في موت أبي طالب فهي مكية. إذن فالإشكال الذي أورده القرطبي مردود بالأصل وهو سبب النزول.

قال ابن حجر: وهذا فيه إشكال؛ لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقًا وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية والأصل عدم تكرر النزول وقد أخرج الحاكم وابن أبي حاتم من طريق أيوب بن هانئ عن مسروق عن ابن مسعود قال خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا إلى المقابر فاتبعناه فجاء حتى جلس إلى قبرٍ منها فناجاه طويلًا ثم بكى فبكينا لبكائه فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي واستأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي فانزل عليَّ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} ، وأخرج أحمد من حديث ابن بريدة عن أبيه نحوه وفيه نزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب ولم يذكر نزول الآية، وفي رواية الطبري من هذا الوجه لما قدم مكة أتى رسم قبر ومن طريق فضيل بن مرزوق عن عطية لما قدم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت، وللطبراني من طريق عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس نحو حديث ابن مسعود وفيه لما هبط من ثنية عسفان وفيه نزول الآية في ذلك فهذه طرق يعضد بعضها بعضًا وفيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي طالب، ويؤيده

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت