فهرس الكتاب
- 📄
لَوَجَدُوا {فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} : فظاهر المعنى شيء وهم عارفون به؛ لأنهم عرب ...
ثم قال: فاعلم أن الله تعالى إذا نفى الفقه أو العلم عن قوم فذلك لوقوفهم مع ظاهر الأمر وعدم اعتبارهم للمراد منه وإذا أثبت ذلك فهو لفهمهم مراد الله من خطابه وهو باطنه ...
ثم قال: وإذا ثبت هذا فقد كانوا فهموا معنى ألفاظه من حيث هو عربي فقط.
وقال ابن القيم في مِفتاح دار السعادة: وأيضا فإن العلم يراد للعمل فإنه يمنزلة الدليل للسائر فإذا لم يسر خلف الدليل لم ينتفع بدلالته فنزل منزلة من لم يعلم شيئًا؛ لأن من علم ولم يعمل بمنزلة الجاهل الذي لا يعلم كما أن من ملك ذهبًا وفضة وجاع وعرى ولم يشتر منها ما يأكل ويلبس فهو بمنزلة الفقير العادم كما قيل:
ومن ترك الانفاق عند احتياجه ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر
والعرب تسمى الفحش والبذاء جهلًا إما لكونه ثمرة الجهل فيسمى باسم سببه وموجبه وإما لأن الجهل يقال في جانب العلم والعمل قال الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... *** ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ومن هذا قول موسى لقومه وقد {قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} ، فجعل الاستهزاء بالمؤمنين جهلًا ومنه قوله تعالى حكاية عن يوسف أنه قال: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} ومن هذا قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} ، ليس المراد إعراضه عمن لا علم عنده فلا يعلمه ولا يرشده وإنما المراد إعراضه عن جهل من جهل عليه فلا يقابله ولا يعاتبه، قال مقاتل وعروة والضحاك وغيرهم: صُنْ نفسك عن مقابلتهم على سفههم. وهذا كثير في كلامهم ومنه الحديث: إذا كان صوم أحدكم فلا يصخب ولا يجهل، ومن هذا تسمية المعصية جهلًا قال قتادة: أجمع أصحاب محمد أن كل من عصى الله فهو جاهل وليس المراد أنه جاهل بالتحريم إذ لو كان جاهلًا لم يكن عاصيًا فلا يترتب الحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة على جاهل بالتحريم بل نفس الذنب يسمى جهلًا وإن علم مرتكبه بتحريمه إما أنه لا يصدر إلا عن ضعف العلم ونقصانه وذلك جهل فسمى باسم سببه، وإما تنزيلًا لفاعله منزلة الجاهل به ... إلى أن قال: والشيء قد ينتفى لنفي ثمرته والمراد منه.